الزلزلة · الآية 2

﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا

«أَخرَجَت»: من المَفعولِ إلى الفاعِل

في الآيةِ الأُولى تُهَزُّ الأرض، وفي الثانيةِ تُخرِج، والانتِقالُ من المَجهولِ إلى المَعلومِ، ومن المَفعولِ إلى الفاعِل، يُعلِنُ أنّ الزِّلزالَ كانَ بابَ عَمَل، لا غايةً في نَفسِه، فالأرضُ تَستَيقِظُ على ما فيها، فتُؤدّي.

والفعلُ «أَخرَجَ» من بابِ الإفعال، وهو تَعديةُ الفِعلِ من الباطِنِ إلى الظاهِر، فما كانَ في الجَوفِ يُنقَلُ إلى السَّطح، والأرضُ التي تَخفي القُبورَ والمَعادِنَ والأسرارَ تُنقِلُها كلَّها إلى ضَوءٍ لا يَتراجَع. وهي لا تَنتَقي، فقد جاءَت «أَثقالَها» مُطلَقةً، وكلُّ ما ثَقُلَ فيها يَخرُج.

«أَثقالَها»: المَوتى، الكُنوز، الأسرار

و«أَثقالَها» تَحتَمِلُ صُوَراً مُتَكامِلَة: المَوتى الذينَ ابتَلَعتهُم، والكُنوزَ المَدفونةَ في جَوفِها، والأسرارَ التي وُئِدَت تَحتَ ظَهرِها، ولا تَنفي صورةٌ غَيرَها. ويَجمَعُ الجِذرُ ث-ق-ل كلَّ ما يَضغَطُ على الحامِلِ بوَزنِه، وكلُّ ما أُودِعَ في الأرضِ ثَقُلَ علَيها بطَريقَتِه: المَيِّتُ بكَفَنِه، والكَنزُ بقيمَتِه، والسِّرُّ بكَتمَتِه.

والكلمةُ هنا «أَثقال»، جَمعُ ثِقل، والسورةُ سَتَنتَهي بـ«مِثقالَ ذَرَّة»، فالجِذرُ نَفسُه يَزِنُ الحِملَ في الأَرضِ ويَزِنُ العَملَ في المِيزان، وما أَخرَجَتهُ الأرضُ هنا يُعادُ وَزنُه هناك، فيَلتَقي الثِّقلُ الذي خَرَج من الجَوفِ بالثِّقلِ الذي يَنزِلُ في الكَفّة.

صَدى البَقَرة: الأرضُ التي حُذِّرَت من الإفساد

كانَ النَّهيُ في البَقَرةِ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، والمُرادُ ألّا يُترَكَ فيها أَثَرٌ يَفسُدُ في طِيّاتِها، وقد تَركَ الإنسانُ ذلك الأثر. واحتَملَتِ الأرضُ طويلاً، فحَمَلَت الجَريمَةَ والصَّلاحَ معاً، والجَسَدَ المَدفونَ والعَطيّةَ المَكنونَة، وهي الآنَ تُسَلِّمُ ما حَمَلَت، ولا اختيارَ لها في الإمساك، ولا في الإخراج، وساعَتُها هذِه ساعَتُه هو.

والأرضُ التي قِيلَ فيها إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ هي نَفسُها التي تَفرَغُ هنا من خَلائِفِها، وما أُودِعَ فيها من خَلقٍ وعَملٍ يَعودُ إلى ضَوءِ الحِساب، ومَن سارَ علَيها يَوماً فعَلَيهِ أن يَتذَكَّرَ أنّها ستَلفُظُ ما خَزَّنَت.


حَصيلة

كانَ الزِّلزالُ مَخاضاً، وهذه الآيةُ تَكشِفُ عَن المَولود، وهو أَثقالٌ كانَتِ الأرضُ تَحمِلُها وتُخرِجُها الآن. والانتِقالُ في الفاعِلِيَّةِ مَقصود، ففي الآيةِ الأُولى الأرضُ مَفعولٌ يُهَزّ (بِناءٌ للمَجهول)، وهنا صارَت فاعِلاً يُخرِج. و«أَخرَجَتِ الأرضُ» (خ-ر-ج) على وَزنِ الإفعال، أي تَعديَةُ ما كانَ في الجَوفِ إلى السَّطح، والهَزَّةُ نَبَّهَتها إلى ما تَحمِلُ فَأَدَّت ما عَلَيها. و«أَثقالَها» (ث-ق-ل) مُضافَةٌ إلَيها بِضَميرِها، فما حَمَلَتهُ هي تُخرِجُه هي، والجِذرُ يَجمَعُ كلَّ ما يَضغَطُ على الحامِلِ بِوَزنِه: المَيِّتَ بِكَفَنِه، والكَنزَ بِقيمَتِه، والسِّرَّ بِكَتمَتِه، وهو ثِقَلٌ من كلِّ جِنسٍ يَخرُجُ في يَومٍ واحِد.