الإسراء · الآية 29

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا

«وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً»: النَّهيُ واقِعٌ على الجَعلِ لا على الغُلّ

عُدِلَ عن «لا تَغُلَّ يَدَك» إلى «لا تَجعَلْ يَدَكَ مَغلولةً»، والفِعلُ المَنهِيُّ عَنه هو التَّصييرُ لا الرَّبط، فالتَّحذيرُ في الآيةِ من قَيدٍ يَصنَعُه صاحِبُ اليَدِ لِيَدِه، لا من قَيدٍ يَأتي من خارِج.

و«مَغلولةً» اسمُ مَفعول، فاليَدُ في الصّورةِ مَفعولٌ بِها وصاحِبُها هو الفاعِل، وهو رَجُلٌ يَغُلُّ نَفسَه بِنَفسِه، فيَجتَمِعُ فيه الغالُّ والمَغلول. والغُلُّ من غ-ل-ل، وهو تَعَلُّقٌ لاصِقٌ يَغورُ في الباطِنِ ثُمَّ يُحاز، فلا يُنتَزَعُ بِيَدٍ ولا يُفَكُّ بِطَلَب، وما دَخَلَ مِنه لا يُنزَع.

«إِلَىٰ عُنُقِكَ»: العُنُقُ يَعودُ، وحَرفُه يَتَبَدَّل

و«إلى» لِانتِهاءِ الغايةِ لا لِلظَّرفِيّة، فاليَدُ مَشدودةٌ نَحوَ العُنُقِ حتّى تَبلُغَه، والعُنُقُ مُنتَهى الشَّدِّ لا وِعاؤُه. وبِهذا الحَرفِ الواحِدِ تَكتَمِلُ الصّورة: كَفٌّ لا تَنزِلُ إلى ما تَحتَها، مَجذوبةٌ إلى أضيَقِ مَوضِعٍ في القامة.

وهذا العُنُقُ عَينُه قد مَرَّ في هذه السّورةِ من قَبلُ حينَ جاءَ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، وكانَ الحَرفُ هُناكَ «في»، والفاعِلُ غَيرَ صاحِبِ العُنُق، والمُلزَمُ شَيئاً لا يُفَكّ، والحَرفُ هُنا «إلى»، والفاعِلُ صاحِبُ العُنُقِ نَفسُه، والمَشدودُ يَدُه هو. فهُما عُنُقانِ في سورةٍ واحِدة: واحِدٌ عُقِدَ فيه ما لا تَملِكُ فَكَّه، وواحِدٌ تُنهى أن تَعقِدَ إلَيه ما تَملِك، وما لا يُفَكُّ لا تُسأَلُ عَنه، وما بِيَدِكَ عَقدُه تُسأَلُ أن تَدَعَه مَحلولاً.

«وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ»: النَّهيانِ غَيرُ مُتَساوِيَين

وعُدِلَ عن الإطلاقِ في «ولا تَبسُطْها» إلى التَّقييدِ بِـ«كُلَّ البَسْط». و«كُلَّ البَسطِ» مَفعولٌ مُطلَقٌ مُؤَكِّد، والقَيدُ فيه لا في الفِعل، فالمَنهِيُّ عَنه استيفاءُ البَسطِ لا البَسطُ نَفسُه.

وخَلا الطَّرَفُ الأوَّلُ من مِثلِ هذا القَيد، فلم يَأتِ فيه «لا تَجعَلْها مَغلولةً كُلَّ الغَلّ»، والغُلُّ مَمنوعٌ بِقَليلِه وكَثيرِه، والبَسطُ إنَّما يُمنَعُ عِندَ حافَّتِه، وهُما طَرَفانِ في آيةٍ واحِدةٍ لا يَستَوِيانِ في نَصِّها.

والبَسطُ من ب-س-ط، ومَعناه انفِتاحٌ يَمتَدُّ فيَنتَشِرُ عَريضاً، فالكَفُّ المَبسوطةُ كُلَّ البَسطِ كَفٌّ فُتِحَت حتّى لم يَبقَ فيها انقِباضٌ يُمسِكُ شَيئاً. وبَينَ الكَفَّينِ اللَّتَينِ رَسَمَتهُما الآيةُ فَراغٌ لم تَملَأْه، فلم تُسَمِّ حَدّاً وَسَطاً ولا وَصَفَتْه، وذَكَرَت طَرَفَينِ ونَهَت عَنهُما، وتَرَكَت ما بَينَهُما بِلا اسم.

«فَتَقْعُدَ»: جَوابٌ واحِدٌ لِطَرَفَينِ اثنَين

والفِعلُ مَنصوبٌ بِـ«أنْ» مُضمَرةٍ بَعدَ فاءِ السَّبَبِيّة، وهو جَوابُ النَّهيَينِ مَعاً لا جَوابُ آخِرِهِما، فالطَّريقانِ المُتَعاكِسانِ يُفضِيانِ إلى مَقعَدٍ واحِد، ويَجلِسُ مَن شَدَّ ومَن أفرَطَ في الفَتحِ في مَكانٍ واحِد.

و ق-ع-د لَه مَدخَلٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، وفيه أنَّ الجَذرَ قاعِدةٌ يَصدُرُ عَنها شَيء، ولا يَقِفُ مَعناه عِندَ تَركِ القِيام. وهذا المَوضِعُ يَختَبِرُ تِلكَ القِراءة، والنَّصُّ يُرَجِّحُها، فلو كانَ المُرادُ انقِطاعَ الحَرَكةِ لَكَفى وَصفٌ واحِد، غَيرَ أنَّه أتبَعَ القُعودَ وَصفَينِ كِلاهُما اسمُ مَفعول، فالقاعِدُ ها هُنا مَحَلٌّ يَصدُرُ عَنه اللَّومُ ويَنكَشِفُ عَنه الحَسْر، وقد صارَ الرَّجُلُ قاعِدةَ حالٍ تَلزَمُه، زِيادةً على أنَّه واقِفٌ عن سَير.

وهذا القُعودُ نَفسُه قد وَقَعَ في هذا المَقطَعِ مَرّةً قَبلَ هذه، جَواباً لِنَهيٍ من جِنسٍ آخَر: فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾، فالفِعلُ واحِدٌ يَتَكَرَّر، وزَوجُ الأوصافِ يَتَبَدَّل. ويَعودُ ذلك النَّهيُ بِحَرفِه عِندَ خَتمِ المَقطَع، فيَتَبَدَّلُ الفِعلُ نَفسُه: فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾. فهي ثَلاثةُ أجوِبةٍ لِنَهيٍ يَتَكَرَّرُ بِصيغةٍ واحِدة: يَقعُدُ، ثُمَّ يَقعُدُ، ثُمَّ يُلقى، و«مَلُومًا» ثابِتةٌ في الأخيرَينِ وقَرينَتُها تَتَبَدَّل. والنَّهيُ الذي فُتِحَ بِه المَقطَعُ مَبسوطٌ على ما بَينَ طَرَفَيه.

«مَلُومًا مَّحْسُورًا»: وَصفانِ بِلا فاعِلٍ مُسَمّى

والوَصفانِ كِلاهُما اسمُ مَفعول، ولم يُسَمَّ في الآيةِ لائِمٌ ولا حاسِر، فاللَّومُ يَقَعُ ولا يُنسَب، والحَسْرُ يَقَعُ ولا يُنسَب، وبِهذا يَبقى الوَصفانِ في المَقعَدِ نَفسِه، لا في يَدِ خَصمٍ يُواجَه.

واللَّومُ من ل-و-م، وهو قَولٌ يَتَعَلَّقُ بِصاحِبِه ويُضَمُّ إلَيه فلا يُفارِقُه، فهو عَلَقٌ يَلتَصِق، غَيرُ صَوتٍ يَمُرّ. والحَسْرُ من ح-س-ر، ومَدارُه على كَشفٍ يَنفُذُ حتّى يَستَنفِدَ ما تَحتَه، ومِنه «حَسَرَ عن ذِراعِه» إذا كَشَف، و«الحاسِرُ» لِمَن لا دِرعَ عَلَيه، و«البَعيرُ الحَسيرُ» لِلَّذي أُجرِيَ حتّى ذَهَبَت قُوَّتُه، فالمَحسورُ مَكشوفٌ ومُنقَطِعٌ في كَلِمةٍ واحِدة.

ولم تُقَسِّمِ الآيةُ الوَصفَينِ على الطَّرَفَين، فتَجعَلَ اللَّومَ لِلشّادِّ والحَسْرَ لِلباسِط، وقد جَمَعَتهُما على مَقعَدٍ واحِدٍ لِكِلا الطَّريقَين، وتَركُ القِسمةِ مَقصود، فالذي شَدَّ يَنكَشِفُ أيضاً، والذي أفرَطَ في الفَتحِ يُلامُ أيضاً.


حَصيلة

يَدٌ تُرسَمُ مَرَّتَين: مَرّةً مَجذوبةً إلى العُنُقِ بِغُلٍّ صانِعُه صاحِبُها، ومَرّةً مَفتوحةً حتّى لا يَبقى في الكَفِّ انقِباضٌ يُمسِك. والنَّهيُ في الأولى واقِعٌ على الجَعل، وفي الثّانِيةِ على استيفاءِ البَسطِ لا على البَسط. وبَينَ الصّورَتَينِ مَوضِعٌ لم تُسَمِّه الآيةُ ولم تَصِفْه، فقد تَرَكَتْه فارِغاً بَعدَ أن أغلَقَت طَرَفَيه. والعُنُقُ الذي عادَ ها هُنا كانَ قد عُقِدَ فيه ما لا يُفَكّ، فأمّا هذا فيُنهى المَرءُ أن يَعقِدَ إلَيه ما بِيَدِه. ثُمَّ فِعلٌ واحِدٌ يَجمَعُ الطَّريقَين، وهو قُعودٌ يَصيرُ فيه القاعِدُ قاعِدةً يَصدُرُ عَنها لَومٌ يَلتَصِقُ وكَشفٌ يَستَنفِد، بِلا لائِمٍ مُسَمّىً ولا حاسِر. وأخطَرُ ما في الصّورَتَينِ أنَّهُما مُتَعاكِستانِ ومَقعَدُهُما واحِد.