البقرة · الآية 139

﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا: أمرٌ بِنَقلِ النِّقاش، واستِفهامٌ إنكاريّ

تَفتَتِحُ الآيةُ بِالأمرِ قُلْ كَما افتَتَحَتِ الآياتُ السّابِقةُ قُولُوا آمَنَّا، غَيرَ أنّ المُخاطَبَ هُنا مُفرَد، وليسَ الجَماعةَ المُؤمِنة، ودَلالةُ الإفرادِ أنّ ما سَيُقالُ بَعدَه مَوقِفٌ تَأسيسِيٌّ لا قَولٌ فَردِيّ. ثُمَّ جاءَ أَتُحَاجُّونَنَا بِهَمزةِ استِفهامٍ إنكارِيّ، والمُرادُ بِه إنكارُ فِعلِهِم دونَ السُّؤالِ عن مَعلومة، والمَعنى: على أيِّ شَيءٍ تَبني هذه المُحاجّة؟ والأمرُ بِالقَولِ ثُمَّ الإنكارُ بِالاستِفهامِ يَنقُلانِ النِّقاشَ من مَيدانِ الانتِماءِ (الذي يَفتَخِرونَ فيه بِأسمائِهِم) إلى مَيدانِ المُحاجَجةِ نَفسِها، ومَحَلُّ النَّظَرِ فيه: على أيِّ أساسٍ تُحاجُّ في اللَّهِ أصلاً، دونَ مَن أولى بِالاسم.

(ح ج ج): قَصدٌ مُكَرَّرٌ يُلِحُّ ويَبرُز

والجَذرُ (ح ج ج) نَواتُه (ح ج)، وهي خُلوصٌ يَحتَكُّ ويَتَجَمَّع، ثُمَّ تَكرارُ (ج) يُضاعِفُ البُروزَ والإلحاح، فالحَجُّ في أصلِه قَصدٌ خالِصٌ يَتَكَرَّرُ في اتِّجاهٍ واحِد. والمُحاجّةُ على صيغةِ المُفاعَلةِ تَدُلُّ على تَبادُلِ هذا القَصدِ المُكَرَّر، أي مُجادَلةٌ يَدفَعُ فيها كُلُّ طَرَفٍ بِحُجَّتِه إلحاحاً. وفي قَولِه أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ يُفيدُ حَرفُ الجَرِّ «في» أنّ المُحاجَجةَ نَفسَها تَدورُ داخِلَ ساحةِ اللَّه، أي حَولَ مَلَكةِ الانتِسابِ إلَيه وحَولَ مَن أولى بِه. والإنكارُ القُرآنِيُّ يُسقِطُ هذا الإطار: لا يَجوزُ أن تَكونَ الذّاتُ الإلهِيّةُ ساحةَ تَنازُعِ مِلكِيّة.

(ر ب ب): وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ التَّوحيدُ يُسقِطُ احتِكارَ الانتِساب

والجَذرُ (ر ب ب) نَواتُه (ر ب)، وهي استِرسالٌ يَتَجَمَّع، ثُمَّ تَكرارُ (ب) يُضاعِفُ التَّجَمُّعَ في الظُّهور، فالرَّبُّ في أصلِه مَن يُرَبّي بِالإمدادِ المُستَرسِلِ حتّى يَكتَمِلَ الشَّيء. وتَكرارُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ مَقصود: لَو قيلَ «رَبُّنا» وَحدَها لَأفادَ احتِكاراً، ولَو قيلَ «رَبُّ الجَميع» لَأفادَ تَجريداً، وتَكرارُ الإضافةِ مَرَّتَين، «رَبُّنا» ثُمَّ «رَبُّكُم»، يَستَوعِبُ الطَّرَفَينِ في الرُّبوبِيّةِ بِالدَّرَجةِ نَفسِها، ولا أولَوِيّةَ لِأحَدٍ بِسَبَبِ تَسمِية. ولِذلك يَنهارُ أساسُ المُحاجّةِ من داخِلِها: الذينَ يُحاجّونَ في اللَّهِ يَفتَرِضونَ خُصوصِيّةً مَعَ رَبِّهِم، والآيةُ تَقولُ إنّ هذه الخُصوصِيّةَ مُشتَرَكة، فلا مَجالَ لِلتَّفاضُلِ بِها.

(ع م ل): وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ نَقلُ المِعيارِ مِن الاسمِ إلى الفِعل

والجَذرُ (ع م ل) نَواتُه (ع م)، وهي ظُهورٌ يَتَجَمَّع، أي ما يَخرُجُ من العُمقِ ويَتَكَثَّفُ في الواقِع، ثُمَّ (ل)، وهي تَعَلُّقٌ يَتَّصِل، أي أثَرٌ مُمتَدّ، فالعَمَلُ في أصلِه ظُهورُ ما في العُمقِ يَترُكُ أثَراً بَعدَه. وتَقديمُ الجارِّ والمَجرورِ في وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ يُفيدُ الاختِصاص، أي أنّ أعمالَنا لا تَنفَعُكُم، وأعمالَكُم لا تَلحَقُنا. وفي هذا تَفكيكٌ كامِلٌ لِفِكرةِ الشَّفاعةِ بِالانتِسابِ التي تَقومُ عَلَيها هُوِيّاتُ الطَّوائِف. وقد نُقِلَ المِعيارُ من السُّؤالِ «إلى مَن تَنتَمي؟» إلى السُّؤالِ «ماذا تَفعَل؟»، ولا يَنفَعُ أحَداً عِندَ اللَّهِ أن يَنتَمِيَ إلى نَبِيٍّ ما لم يَعمَلْ بِما عَمِلَ بِه ذلك النَّبِيّ، والانتِسابُ صَوتٌ على السَّطح، والعَمَلُ ظُهورُ ما في العُمق.

(خ ل ص): وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ تَفريغُ الوَلاءِ مِن كُلِّ شَريك

والجَذرُ (خ ل ص) نَواتُه (خ ل)، وهي تَفريغٌ يَمتَدّ، أي إفراغُ المَكانِ حتّى لا يَبقى فيه شاغِل، ثُمَّ (ص)، وهي قُوّةٌ نافِذةٌ تَحسِم، فالإخلاصُ في أصلِه تَفريغٌ مُمتَدٌّ بِقُوّةٍ نافِذة، أي إفراغُ الوَلاءِ من كُلِّ شَريكٍ بِحَسمٍ لا يَتَراجَع. وصيغةُ الجَمعِ مُخْلِصُونَ تَجعَلُ الإخلاصَ هُوِيّةَ المُتَكَلِّمين، غَيرَ فِعلٍ عابِر. والضَّميرُ لَهُ مُتَقَدِّمٌ لِيُفيدَ الحَصر، أي أنّ الإخلاصَ مُوَجَّهٌ إلى اللَّهِ وَحدَه، وليسَ إلى جَماعةٍ تَتَوَكَّلُ على اسمِه. وهذا الإخلاصُ نَقيضُ المُحاجّةِ التي افتَتَحَتِ الآية، والمُحاجّةُ تُضيفُ إلى الوَلاءِ شائِبةَ الانتِسابِ الجَماعِيّ، والإخلاصُ يُفَرِّغُه من كُلِّ شائِبةٍ حتّى لا يَبقى إلّا اللَّه. ولِذلك جاءَتِ الآيةُ تَنتَهي بِما تُسقِطُ بِه ما تَفتَتِحُ بِإنكارِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «المُخلِصُ» في الآيةِ وَصفُ مَن فَرَّغَ وَلاءَه من كُلِّ شَريكٍ فصارَ التَّوجيهُ لِلَّهِ وَحدَه، فخَرَجَ بِفِعلِه من دائِرةِ المُحاجّةِ كُلِّها، وليسَ اسمَ طائِفةٍ تُقابِلُ غَيرَها.


حَصيلة

تَفتَحُ الآيةُ بِاستِفهامٍ إنكارِيٍّ على لِسانِ المُخاطَبِ يُنكِرُ المُحاجّةَ «في اللهِ» بِجِذرِ (ح-ج-ج)، وهو قَصدٌ مُكَرَّرٌ يُلِحُّ على مَلَكةِ الانتِسابِ إلَيه. وجاءَ الرَّدُّ بِبِنيةٍ ثُلاثِيّة: أوَّلاً تَكرارُ «رَبُّنا ورَبُّكُم» يُثبِتُ الرُّبوبِيّةَ لِلطَّرَفَينِ بِالدَّرَجةِ نَفسِها فيُسقِطُ وَهمَ الأولَوِيّة. وثانِياً جِذرُ (ع-م-ل) في «لَنا أعمالُنا ولَكُم أعمالُكُم» يَنقُلُ المِعيارَ من الاسمِ إلى الفِعل: أعمالُنا ظُهورُ ما في العُمقِ يَترُكُ أثَراً، وما هي بِانتِسابٍ وَحدَه. وثالِثاً جِذرُ (خ-ل-ص) في «مُخلِصون» يَصِفُ التَّفريغَ الكامِلَ لِلوَلاءِ من كُلِّ شَريك، والإخلاصُ نَقيضُ المُحاجّةِ لأنّ المُحاجَجةَ تُضيفُ إلى الوَلاءِ شائِبةَ التَّنافُسِ الطّائِفِيّ. والجامِعُ في الآيةِ أنّ الرَّدَّ يُسقِطُ الإطارَ كُلَّه، ولا يَختارُ طَرَفاً في النِّزاع: المَصدَرُ مُشتَرَك، والمِعيارُ عَمَل، والحالُ إخلاص.