البقرة · الآية 138

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ

صِبْغَةَ اللَّهِ: مَفعولٌ مُطلَقٌ يُغري بِالصِّبغَةِ ويَنفي ما سِواها

صِبْغَةَ اللَّهِ مَنصوبة، وفي إعرابِها بَلاغة، وهي تَحتَمِلُ النَّصبَ على المَفعولِ المُطلَق، أي «صَبَغَنا اللهُ صِبْغَتَه»، وتَحتَمِلُ النَّصبَ على الإغراء، أي «الزَموا صِبْغَةَ اللَّه». والوَجهانِ يَلتَقِيانِ في المَعنى، والمُرادُ بِالآيةِ على كِلَيهِما التَّحريضُ دونَ الوَصف. وما تُحَرِّضُ عَلَيه لَونٌ يَجِبُ أن يَدخُلَ في نَسيجِ النَّفس، وليسَ شَعيرةَ تَلوينٍ سَطحِيّة. وفي إضافةِ «الصِّبغة» إلى لَفظِ «اللَّه» نَفيٌ مُسبَقٌ لِكُلِّ صِبغةٍ مُنافِسة: مَن صُبِغَ بِصِبغةِ اللَّهِ فلَيسَت تَنفَعُه صِبغةٌ ثانِية، ومَن صُبِغَ بِصِبغةِ غَيرِها فهو في تَلَوُّنٍ سَطحِيٍّ يَزولُ بِأوَّلِ غَسل.

(ص ب غ): لَونٌ يَنفُذُ في النَّسيج لا طَلاءٌ سَطحيّ

والجَذرُ (ص ب غ) نَواتُه (ص ب)، وهي قُوّةٌ تَظهَر، وهي نَواةُ «صَبَّ» و«صَبَر» نَفسُها، أي شَيءٌ يَنزِلُ بِامتِدادٍ ثابِت، ثُمَّ (غ)، وهي باطِنٌ يَشتَمِل. فالصِّبغُ في أصلِه نُزولٌ مُمتَدٌّ (صب) إلى الباطِنِ المُحيطِ (غ)، أي لَونٌ يَدخُلُ في الألياف لا طِلاءٌ يَبقى على السَّطح. ومِنه قَولُه تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ، والزَّيتونُ صِبغٌ لأنّه يَنفُذُ في الطَّعامِ ويَكونُ مِنه، وليسَ شَيئاً يَجلِسُ فَوقَه. وعلى هذا المِعيارِ تَكونُ صِبغةُ اللَّهِ نَسيجاً نَفسِيّاً يَتَحَوَّلُ حتّى يَصيرَ اللَّونُ ذاتُه مِنه، غَيرَ طَقسٍ يُمارَسُ مَرّةً ثُمَّ يَنتَهي.

الصِّبغَة ≠ الفِطرَة: تَحَوُّلٌ مُختارٌ فَوقَ الجِبِلَّةِ الأُولى

والفِطرةُ هي الأصلُ الأوَّلُ المَنقوشُ في الإنسانِ قَبلَ كُلِّ تَدَخُّل، أي التَّوحيدُ الجِبِلِّيُّ السّابِقُ لِلتَّربِية. وأمّا الصِّبغةُ ففِعلٌ يَأتي فَوقَ الفِطرة، وهو تَحَوُّلٌ مَقصودٌ بِالاختِيارِ والعَمَلِ يَتَلَوَّنُ بِه النَّسيجُ النَّفسِيّ. ولِذلك عُدِلَ في هذا المَوضِعِ عن «فِطرةَ اللَّه»، مَعَ أنّ القُرآنَ يَستَعمِلُ هذا التَّعبيرَ في مَواضِعَ أُخرى. والصِّبغةُ تُجاوِبُ تَلوينَ الطَّوائِفِ الذي جاءَ في ٢:١٣٥ «كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ»، وهذا التَّلوينُ تَدَخُّلٌ بَعدَ الفِطرة، فيُجابُ بِتَدَخُّلٍ آخَرَ بَعدَها هو صِبغةُ اللَّه. والفَرقُ مَفصِلِيّ، ولا يَجوزُ في تَدَبُّرِ القُرآنِ وَضعُ كَلِمةٍ مَكانَ كَلِمة.

وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً: استِفهامٌ تَقريريٌّ يُغلِقُ بابَ المُقارَنَة

والاستِفهامُ هُنا تَقريرِيّ، أي يُقَرِّرُ ما يَعرِفُه السّامِعُ ويُلجِئُه إلى الإقرارِ بِأنّه لا أحَدَ أحسَنُ من اللَّهِ صِبغة. وتَركيبُ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً يَجعَلُ التَّفضيلَ في الصِّبغةِ دونَ الصّابِغ، والسُّؤالُ فيه عن أيِّ صِبغةٍ أنفَذُ في النَّسيج، وليسَ عن مَن أكرَمُ من مَن. والجَذرُ (ح س ن) نَواتُه (ح س)، وهي صَفاءٌ دَقيق، ثُمَّ (ن)، وهي نُفوذٌ في الباطِن، فالأحسَنُ صِبغةً هو الأنفَذُ صَفاءً، الذي يَدخُلُ بِالجَودةِ إلى أدَقِّ ما في الألياف. ومَن سِوى اللَّهِ يَصبُغُ بِلَونٍ فَوقَ السَّطح، وصِبغةُ غَيرِه قابِلةٌ لِلغَسل، لا طُهرَ فيها لأنّها لا تَدخُل، ولا ثَباتَ لَها لأنّها لا تَنفُذ.

(ع ب د): وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ تَجديدُ اللَّونِ بِالعَمَل

والجَذرُ (ع ب د) نَواتُه (ع ب)، وهي بُروزٌ من العُمق، ثُمَّ (د)، وهي احتِباسٌ يَمتَدّ، فالعِبادةُ في أصلِها بُروزُ ما في العُمقِ يَثبُتُ ويَستَمِرّ. والآيةُ تَختِمُ بـوَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ بِجُملةٍ اسمِيّةٍ دونَ الفِعلِيّة، والحالُ فيها مُلازِمة، وليسَت حَدَثاً يَجري. والضَّميرُ لَهُ مُتَقَدِّمٌ لِيُفيدَ الاختِصاص، أي أنّ العُبودِيّةَ مُوَجَّهةٌ إلى صاحِبِ الصِّبغةِ وَحدَه. ولَولا هذا التَّجديدُ بِالعَمَلِ لَبَقِيَتِ الصِّبغةُ إعلاناً نَظَرِيّاً يَنحَلُّ عِندَ أوَّلِ تَجرِبة. والعِبادةُ هي الصَّبغُ المُكَرَّر، وكُلُّ عَمَلٍ خالِصٍ لَه يُعيدُ غَمسَ النَّسيجِ في اللَّونِ حتّى يَصيرَ اللَّونُ ذاتُه طَبعاً.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الصِّبغةُ» في الآيةِ وَصفٌ لِلَونٍ يَنفُذُ بِالعِبادةِ المُتَجَدِّدةِ في نَسيجِ النَّفس، فيَصيرُ المُسلِمُ مُسلِماً بِأنّه مَصبوغٌ لا بِأنّه مُتَسَمٍّ، وليسَتِ الصِّبغةُ اسمَ شَعيرةٍ تُؤَدّى.


حَصيلة

تَمنَحُ الآيةُ ما قَبلَها لَوناً: إذا كانَتِ الآياتُ السّابِقةُ تَصِفُ المَوقِفَ والمِلّةَ والتَّسليم، فآيةُ الصِّبغةِ تَصِفُ التَّحَوُّلَ الذي يُثَبِّتُ ذلك كُلَّه في النَّسيج. وجِذرُ (ص-ب-غ) في نُواتِه نُزولٌ قَوِيٌّ إلى الباطِنِ المُشتَمِل، أي تَشَرُّبٌ يَصيرُ الأليافَ، لا طِلاءٌ يَجلِسُ على السَّطح. وقد جاءَت «صِبغَةَ اللهِ» مَنصوبةً على الإغراءِ أو المَفعولِ المُطلَق، أي التَزِموا هذا التَّصبيغ. وبَيَّنَ الاستِفهامُ التَّقريرِيُّ أنّ أحسَنَ الصِّبغاتِ، بِجِذرِ (ح-س-ن)، الأنفَذُ صَفاءً حتّى أدَقِّ الألياف، وأنّ صِبغةَ اللهِ كذلك لا تُعادَل. والصِّبغةُ غَيرُ الفِطرةِ التي هي أصلٌ جِبِلِّيٌّ سابِقٌ لِكُلِّ تَدَخُّل، وهي تَحَوُّلٌ مُختارٌ يَأتي فَوقَها. ثُمَّ تَختِمُ الجُملةُ الاسمِيّةُ «وَنَحنُ لَهُ عابِدون» بِجِذرِ (ع-ب-د)، وهو بُروزٌ من العُمقِ يَثبُتُ ويَمتَدّ، والعِبادةُ هي الصَّبغُ المُكَرَّرُ الذي يُعيدُ غَمسَ النَّسيجِ في اللَّونِ حتّى يَصيرَ اللَّونُ ذاتُه طَبعاً.