البقرة · الآية 18

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

«صُمٌّ» (ص م م): انسدادُ المَنفذ لا عِلّةُ الأُذُن

والصَّمَمُ في لسانِ العرب لا يكونُ فَقدَ السَّمعِ دائماً، فـ«الصَّخرُ الأصَمُّ» هو الذي لا مَنفذَ فيه، و«القارورةُ الصَّمّاء» هي التي لا ثَغرَةَ لَها. فالجذرُ (ص م م) يدلُّ على انسدادِ المَنفذ لا على عَطَبِ الأداة. والمُنافقُ في السِّياقِ يَسمعُ القرآنَ بأُذُنه ويَحفَظُ ألفاظَه، غيرَ أنّ المَنفذَ الذي يُدخِلُ المَعنى إلى الداخلِ مُغلَق، وتَبقى الأُذنُ عاملةً من جهةِ الصَّوت، وهي صَمّاءُ من جهةِ المَعنى. وهذا أشدُّ من الصَّمَمِ الحِسّي، لأنّ الصَّمَمَ الحِسّي يُستَبدَلُ بقَنَواتٍ أُخرى (لِسانُ الإشارة، القراءة)، أمّا هذا الصَّمَمُ البِنيويُّ فَيَضَعُ حاجزاً بين وُرودِ الصَّوتِ وانعقادِ المَعنى.

«بُكْمٌ» (ب ك م): انعقادُ اللسانِ دون الكلمةِ المُلزِمة

والبَكَمُ هنا انعِقادٌ عند الكلمةِ التي تُلزِمُ صاحِبَها، ولا يَنحصرُ جذرُ (ب ك م) في فَقدِ النُّطق، إذ المُنافقُ يَتكلَّمُ كَثيراً، ويَقولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وتَجري الألفاظُ على لسانِه جَرياناً مِهَنيّاً، غيرَ أنّ اللسانَ يَعقُلُ ولا يُفصِح حينَما يُطلَبُ منه قَولٌ يَرتَبِطُ به الفِعل. فـ«البُكم» في هذا السِّياقِ عَجزٌ عن تَكوينِ الكلمةِ التي تَنقِلُ صاحِبَها من قَولٍ إلى مَوقِف، لا عَجزٌ عن تَحريكِ الشِّفَتَين.

«عُمْيٌ» (ع م ي): فَقدُ الوِجهة لا فَقدُ البَصَر

وأصلُ العَمى في (ع م ي) غيابُ الاتّجاه المُنظَّم، ولذلك سُمِّيَ «الأمرُ الأعمى» لِما لا يَتبيَّنُ وَجهُه، ومنه «عَميَ الخَبَرُ» بمعنى التَبَسَ. فالعَمى هنا فَقدٌ للمِحوَرِ الذي تُنظَّمُ به الرؤية، وليس عَطَباً في العَين. والمُنافقُ يَرى النُّصوصَ والمَواقفَ والوجوه، لَكِنَّه لا يَجِدُ محوراً داخليّاً تُرَتَّبُ عليه هذه المَرئيّات، ولذلك تَتَكَرَّرُ عِندَه الرؤيةُ دونَ أن تَتَحَوَّلَ إلى خُطوة.

«فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ» (ر ج ع): الرُّجوعُ يَستَلزِمُ قَناةً مَفتوحة

وفاءُ التَّعقيبِ في «فَهُم» تُعلِنُ أنّ ما بَعدَها نَتيجةٌ لازِمةٌ لِما قَبلَها. والرُّجوعُ من (ر ج ع) حَركةٌ تَتَطَلَّبُ ثَلاثَ قَنوات: سَمعاً يَستَقبِلُ النُّصحَ، ولساناً يُعلِنُ الاعتِراف، وبَصَراً يَتَوَجَّهُ إلى الطَّريق، فإذا انسَدَّت القَنواتُ الثَّلاثُ جَميعاً لم يَبقَ للرُّجوعِ طَريق. ولذلك أوثِرَ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ على «لا يُرَدُّون»، فالآيةُ تُفيدُ أنّ إمكانَ الرُّجوعِ قد اختَفى، لا أنّ أحداً مَنَعَهم منه. فالكلمةُ تَسبِقُ المَصطلَح، والذي هنا إغلاقُ قَنواتٍ يُفضي إلى انقطاعِ الرَّجعة، وليس عَجزَ أَعضاء.


حَصيلة

ثَلاثُ كَلِماتٍ تُغلِقُ المَثَلَ على قَفيلٍ واحِد: صُمٌّ، بُكمٌ، عُميٌ، وكلٌّ منها وَصفٌ لقَناةٍ مَسدودة، لا لعُضوٍ مُعطَّل. والصَّخرُ الأصَمُّ عند العَرَبِ الذي لا مَنفَذَ فيه، والقارورةُ الصَّمَّاءُ التي لا ثَغرةَ لها، فجذرُ ص-م-م انسِدادُ المَنفَذِ لا عَطَبُ الأداة، والأذُنُ تَسمَعُ الصَّوتَ والمَمَرُّ الذي يُدخِلُ المَعنى إلى الباطِنِ مُغلَق. والبَكَمُ (ب-ك-م) انعِقادٌ عندَ الكَلِمةِ المُلزِمة، فاللسانُ يَجري بألفاظٍ مِهَنيَّةٍ كـ«آمَنّا»، غيرَ أنَّه يَعقِلُ حينَ يُطلَبُ منه قَولٌ يَرتَبِطُ به فِعل. والعَمى (ع-م-ي) غيابُ الاتِّجاهِ المُنَظَّم، لا غيابُ الضَّوء، والمُنافِقُ يَرى المَشاهِدَ والوجوهَ والنُّصوصَ ولا يَجِدُ مِحوَراً داخليّاً تُرَتَّبُ عليه هذه المَرئيَّات. ثمَّ تأتي فاءُ التَّعقيب لِتَلِدَ النَّتيجةَ اللازِمة: الرُّجوعُ (ر-ج-ع) يَتَطَلَّبُ سَمعاً يَستَقبِلُ النُّصحَ ولِساناً يُعلِنُ الاعترافَ وبَصَراً يَتَوَجَّهُ إلى الطَّريق، فإذا انسَدَّت القَناواتُ الثَّلاثُ لم يَبقَ للرُّجوعِ طَريق. وجاءَ «لا يَرجِعون» دونَ «لا يُرَدُّون»، فإمكانُ الرُّجوعِ هو الذي اختَفى، ولم يُغلِقْه أحَدٌ من خارِج.