البقرة · الآية 199

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

(ف ي ض): الفَيضُ حَرَكَةٌ جماعيّة لا انتقاءٌ صَنفيّ

والمؤكَّدُ أنَّ الفَيضَ في الجذرِ العربيّ جَرَيانُ السائلِ بكثرةٍ حتى يَتَجاوَزَ الإناء، ولا يَكفي فيه الانتقالُ المكانيّ، ومنه يُقالُ: فاضَ الماءُ، وفاضَ الدَّمعُ، وأفاضَ في الحديث. وحين يُؤمَرُ الحاجُّ بأن يُفيضَ من حَيثُ أفاضَ الناس، فالتَّصويرُ يُقَدِّمُه جُزءاً من تَيّارٍ بَشريٍّ واحد، لا خَطّاً فَرديّاً مُخَطَّطاً بِدِقّة.

والصِّيغةُ «أفِيضوا» أمرٌ بالانخراطِ في حَرَكةٍ قائمةٍ فِعلاً، لا بابتكارِ حَرَكةٍ جديدة، وفَيضُ الحاجِّ انضمامٌ إلى ما يَتَدفَّقُ به الناسُ، وليس تَصميمَ مَسارٍ لِنَفسِه مُنفصلٍ عنهم.

(ن و س): الإشارةُ إلى «النَّاس» نَسفٌ لِسُلَّمِ الأصنافِ الدِّينيّة

والجذرُ (ن و س) يُعطي «النّاسَ» بِمعنى عامّةِ بَني آدم، دونَ تَخصيصٍ دينيٍّ أو قَبَليّ، فقولُه «مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ» قَصدٌ مُباشرٌ لِلعامّة لا لِلخاصّة. وهذا الخطابُ يَأتي مُحَرِّراً لِلحاجِّ من وَهمِ أنّه صَنفٌ أعلى، ويُعيدُه إلى الصَّفِّ العامِّ الذي يَقِفُ فيه أَيُّ إنسان.

وتَخصيصُ «النّاس» في الآيةِ يَكسِرُ كُلَّ ادِّعاءِ صَنفٍ يَرفَعُ نَفسَه عَن المَوقفِ العامّ، فمَن يَدَّعي أنَّ له مَوقفاً مُتميِّزاً فَوقَ مَوقفِ النّاسِ يُؤمَرُ بأن يَنزِلَ إلى مَوقفِهم، والشَّرعِيَّةُ في «من حيثُ أفاضَ النّاس»، لا في صَنفٍ يَنفَصِلُ بِنَفسِه.

الدَّلالةُ الاجتماعيّة: نَفيُ الامتياز الديني

والمؤكَّدُ أنَّ هذا النَّصَّ من أصرحِ نُصوصِ القرآنِ في تَفكيكِ الامتيازِ الدينيّ، والحاجُّ، أيّاً كان نَسَبُه أو مَكانَتُه، يُفيضُ من حيثُ يُفيضُ الناسُ، لا من مَوقعٍ يَرفَعُه فَوق الآخرين.

والطَّقسُ هنا يَعمَلُ عَمَلَ آليّةٍ لإعادةِ الضَّبطِ الاجتماعيّ: يَقِفُ الحاجُّ كلَّ عامٍ في المَوقفِ العامّ، ويَتَدَفَّقُ مع العامّة، فيُذَكَّرُ بِأنَّ دَورَه الدينيَّ لا يَمنَحُه طَبقةً فَوق الإنسانيّة المُشتركة. وهو بُعدٌ أَشبَهُ بالجُمهوريّةِ الأنثروبولوجيّةِ قَبل أن تُصاغَ المَفاهيمُ الحديثة.

(غ ف ر): الاستِغفارُ كَغِطاءٍ، لا كَمَحوٍ لذاكرة

ومَدارُ الجذرِ (غ ف ر) على السَّترِ والتَّغطية، والمِغفَرُ ما يُغَطّي الرَّأسَ في القتال، والغَفَرُ ما يُغَطّي العَينَ من زَغَب. فالاستِغفارُ طَلَبُ تَغطيةٍ تَحمي الفِعلَ من الانكشافِ والعُقوبة، وليس طَلَبَ إلغاءٍ لَه من الذاكرةِ الإلهيّة.

وسِياقُ الآيةِ يُحَدِّدُ ما يَطلُبُ الحاجُّ تَغطيتَه، وهو مَوقِفُه السَّابِقُ الذي كان يَرى فيه نَفسَه فَوقَ الناس، وتَرَفُّعُه الصَّنفيُّ، وادِّعاؤه الخُصوصيّةَ الدينيّة. وهذا التَّرَفُّعُ هو الذَّنبُ الذي تَغطّيه رَحمةُ اللهِ حين يَنزِلُ الحاجُّ إلى صَفِّ الناس.

(ر ح م): الرَّحمَةُ كَفَضاءٍ اجتِماعيٍّ لِلمُساواة

ويُختَمُ بأنَّ الرَّحمَةَ في الجذرِ العربيِّ مُشتَقَّةٌ من الرَّحِم، وَهيَ فَضاءٌ يَحتَوي جَميعَ مَن نَشَأ فيهِ دُون تَفضيلٍ بَدئيّ. فاللهُ «رَحيمٌ» حين يُعيدُ الحاجَّ إلى المَوقفِ العامّ، لأنَّ الرَّحمَةَ لا تَعتَرفُ بِتَقسيمِ الناسِ إلى صَنفٍ مُطَهَّرٍ وآخَرَ دُونَه.

ويُشارُ إلى أنَّ خَتمَ الآيةِ بِاسمَي «غَفورٌ رَحيم» تَوكيدٌ على أنَّ التَّواضُعَ الاجتِماعيَّ في الطَّقسِ هو بَذرَةُ الرَّحمة، وليس حَلْيةً بَلاغيّة، ومَن يَقِفُ مَع الناسِ في المَوقفِ يَحصُلُ له ذلكَ الغِطاءُ التَّلقائيُّ الذي تَمنَحُه الرَّحِمُ لِأبنائها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فَيضُ الحاجِّ من حَيثُ يَفيضُ النّاسُ قَرارٌ لاهُوتيٌّ بِإلغاءِ الطَّبَقاتِ الدِّينيّة، والاستِغفارُ هُنا طَلبُ تَغطيةٍ لِتَرَفُّعٍ صَنفيٍّ يَتَعلَّمُ الحاجُّ أن يَتَخَلّى عنه في كُلِّ مَوسم، وليس تَكفيراً لِفِعلٍ مَنسيّ.


حَصيلة

جُملةٌ واحدةٌ تَنسِفُ سُلَّمَ الأصنافِ الدِّينيّة في الحَجّ: «أفيضوا من حيثُ أفاضَ النَّاسُ». والإفاضةُ بجَذرِ (ف-ي-ض) جَريانُ السَّائلِ من وِعائِه بعدَ التَّجَمُّع، والأمرُ «أفيضوا» انخِراطٌ في تَيّارٍ بَشَريٍّ قائمٍ لا ابتِكارُ مَسارٍ مُنفَصِل. والنَّاسُ بجَذرِ (ن-و-س) عامّةُ بني آدمَ بلا تَخصيصٍ دينيٍّ أو قَبَليّ، فالحاجُّ يَفيضُ من حَيثُ يَفيضُ هَؤلاء لا من مَوقعٍ يَرفَعُه فَوقَهم. والأمرُ بمَدلولِ جَذرَيهِ يُعيدُ الجَميعَ إلى الصَّفِّ الواحِد، فلا مَوقِفَ مُتَميِّزاً يَنفَصِلُ عن مَوقِفِ النّاسِ العامّ. ثُمَّ «واستَغفِروا اللَّه»، والاستِغفارُ بجَذرِ (غ-ف-ر) طَلَبُ السِّترِ لا مَحوِ الذاكِرة، وما يُطلَبُ سِترُه هنا هو الترَّفُّعُ الصَّنفيُّ الذي كانَ سائداً. فالخِتامُ بـ«غَفورٌ رَحيمٌ» يَضَعُ مَعيّةَ الرَّحمةِ، وهي بجَذرِ (ر-ح-م) الحاضِنةُ الجامِعة، على مَن يَنزِلُ إلى صَفِّ الناسِ لا على مَن يَتَعالى فوقَهم.