البقرة · الآية 198

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ

«ليس عليكم جُناحٌ»: (ج ن ح) ورَفعُ الوَصمةِ عن السَّعيِ المَشروع

ويُفتَتَحُ بأنَّ «جُناح» من جذرِ (ج ن ح)، ونُواتُه «المَيلُ إلى الجانِب»، ومنه «جَناحُ الطائر» لأنَّه الجِهةُ التي يَميلُ بها للطَّيران، و«جَنَحَ إليه» إذا مالَ، ومن هنا صارَ «الجُناح» كلَّ مَيلٍ خارِجٍ عن الاستِقامة، أي المَأثَم. فقولُه «ليس عليكم جُناح» نَفيٌ للمَيلِ الخارجِ عن الاستِقامة، والمعنى أنَّ السَّعيَ في طَلَبِ الرِّزقِ موسِمَ الحَجِّ مُقتَضى إنسانيّةِ الحاجّ، وليس خَلعاً للدَّورِ الحَجّيّ. والآيةُ تَقطَعُ ظَنّاً كانَ سائداً بأنَّ الخَلاصَ الدِّينيَّ يَستَوجِبُ الانسِحابَ من الاقتِصاد، فالحَجُّ دَورٌ يَمتَصُّ السَّعيَ ولا يَنفيه.

«أن تَبتَغوا فَضلاً»: (ب غ ي) و(ف ض ل) وما يَفيضُ عن الحاجة

والمؤكَّدُ أنَّ «تَبتَغوا» من جذرِ (ب غ ي)، ونُواتُه «الطَّلَبُ مع تَجاوُزِ الحَدّ»، ومنه «البَغيُ» لأنَّه طَلَبٌ يَتَجاوَزُ إلى حَقِّ الغَير، غيرَ أنَّ الصيغةَ الافتِعاليّة «ابتَغى» تَقتَصِرُ على معنى «طَلَبَ بجِدٍّ» بلا عُدوان، ومنه «ابتَغى وَجهَ الله» إذا طَلَبَه جادّاً. والفَضلُ من جذرِ (ف ض ل)، ونُواتُه «ما زادَ عن الحَدّ»، ومنه «فَضلةُ الطَّعامِ» لما زادَ عن شِبَع. فالمَطلوبُ فَضلُ الرِّزقِ دونَ أصلِه، أي الزَّيادةُ التي تَتَيَسَّرُ مع السَّعي، والرِّزقُ الأصليُّ مَحسومٌ، والفَضلُ زائِدٌ عليه. فسَعيُ الحاجِّ الذي يَتَّجِرُ في موسِمه لنَموِّ حالِه، وليس لبَقائه.

«فإذا أفَضتُم من عَرَفاتٍ»: (ف ي ض) و(ع ر ف) وحَرَكةُ الانسِياب

و«أفَضتُم» من جذرِ (ف ي ض)، ونُواتُه «خُروجُ السائلِ من وِعائه زائداً عليه»، ومنه «فاضَ النَّهر» إذا تَجاوَزَ ضِفَّتَيه. واختيارُ هذا الفِعلِ لوَصفِ الخُروجِ من عَرَفاتٍ دَقيق: الحاجُّ بعدَ الوُقوفِ في عَرَفاتٍ يَصيرُ كالسائلِ الذي فَرَغَ من تَجَمُّعِه فاندَفَعَ مُتَدَفِّقاً. وأمّا «عَرَفات» فجِذرُها (ع ر ف)، ونُواتُه «إدراكُ الشيءِ بعد فُقدانٍ»، ومنه «عَرَفَ الشيءَ» إذا تَذَكَّرَه بعدَ نِسيان، و«المَعرِفة»، وهي إدراكٌ يَسبِقُه جَهل. فعَرَفاتٌ مَوضِعٌ يَعرِفُ فيه الحاجُّ نَفسَه بعد طولِ تَجَمُّعٍ وحِيرة، ثمَّ يَفيضُ من هذا المَكانِ بتَدَفُّق، فيَجمَعُ الاسمانِ (المَعرِفةُ والفَيض) مَعنىً واحداً، هو إدراكٌ داخليٌّ يَتَحَوَّلُ إلى حَرَكةٍ خارجيّة.

«عند المَشعَرِ الحَرامِ»: (ش ع ر) وعَلامةٌ تُستَشعَر

و«المَشعَر» من جذرِ (ش ع ر)، ونُواتُه «الإدراكُ الدَّقيقُ الذي يَدخُلُ على الحَواسِّ والرُّوحِ معاً»، ومنه «شَعَرَ به» إذا أحَسَّ به إحساساً دَقيقاً يَنفُذُ إلى الباطن، و«الشَّاعر» لأنَّ كَلامَه يَدخُلُ على الرُّوحِ بإدراكٍ مُرَكَّب، و«الشَّعرُ» لأنَّه أَدَقُّ ما يَنمو على الجَسَدِ وأكثَرُه إحساساً. فالمَشعَرُ مَوضِعٌ يَستَشعِرُ فيه الحاجُّ حُضوراً ما، وهذا غيرُ «المَكانِ المُقَدَّس»: المَكانُ المُقَدَّسُ يُعبَدُ، وأمّا المَشعَرُ فيُستَشعَرُ فيه غيرُه. فالحُرمةُ مُضافةٌ إليه لأنَّه مَوضِعُ استِشعارٍ، لا لأنَّه مَحلٌّ للعبادة. والآيةُ تَأمُرُ بذِكرِ اللهِ عنده، ولا تَأمُرُ بعِبادَتِه، ففَرَّقَت بذلك بين العَلامةِ والمُعبود.

«واذكُروهُ كما هَداكُم»: (ذ ك ر) و(ه د ي)

والمؤكَّدُ أنَّ «اذكُروه» من جذرِ (ذ ك ر)، ونُواتُه «استِحضارُ الشيءِ في الانتِباه بعد أن كانَ غائباً»، ولا يَكفي فيه التَّلفُّظُ باللِّسان. فالذِّكرُ حالةُ حُضورٍ في الوَعيِ أوّلاً، ثمَّ تَعبيرٌ لفظيٌّ عنها ثانياً. و«هَداكُم» من جذرِ (ه د ي)، ونُواتُه «الإرسالُ إلى مَوضِعٍ بِرفقٍ»، كما سَبَقَ تَفصيلُه في آيةِ 196. فمعنى «اذكُروه كما هَداكُم» حافِظوا على حُضورِه في وَعيِكم بنَفسِ دِقّةِ الرِّفقِ التي أرسَلَكم بها إلى الصَّواب، والعَلاقةُ هنا مُتَبادَلة، حُضورٌ يُقابِلُ إرسالاً، وعِنايةٌ تُقابِلُ عِناية.

«وإن كُنتُم من قَبلِه لمِنَ الضّالِّين»: (ض ل ل) وحَقيقةُ الحَجِّ كتَصحيحِ مَسار

ويُختَمُ بأنَّ «الضّالّين» من جذرِ (ض ل ل)، ونُواتُه «ذَهابُ الطَّريقِ وعَدَمُ الاهتِداء»، ومنه «ضَلَّ الشيءَ» إذا فَقَدَه، و«ضَلَّ الطَّريقَ» إذا لم يَعرِف إليه سَبيلاً. والجُملةُ تُقِرُّ حَقيقةً تاريخيّة، هي أنَّكم كنتُم قَبلَ البَيانِ في تِيهٍ عن الطَّريق، فجاءَكم الهَدي. فالحَجُّ إذاً دَورُ تَصحيحِ مَسارٍ سَبَقَه ضَياع، وليس امتِيازَ قَومٍ صالِحين منذ البدء. وهذه الجُملةُ تَمنَعُ الكِبرَ الذي يَتَسَلَّلُ إلى الحاجّ، فتُذَكِّرُه أنَّ اهتِداءَه حَديثٌ وأنَّ دَورَه عَطيّةٌ لا استِحقاق.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الحاجُّ إنسانٌ يَبقى فاعِلاً في اقتِصادِه طالِباً لفَضلٍ بِجانبِ دَورِه الحَجّيّ، وليس طائِفةً تَخلَعُ إنسانيّتَها لوَقتٍ ثمَّ تَعودُ إليها. والإفاضةُ من عَرَفاتٍ تَحَوُّلٌ داخليٌّ من تَجَمُّعِ الوَعيِ إلى انسِيابه بعد المَعرفة، ولا تَقِفُ عند الانتِقالِ المَكانيّ. والمَشعَرُ الحَرامُ عَلامةٌ تُستَشعَرُ لا مَحَلٌّ يُعبَد، وذِكرُ اللهِ عندَه استِحضارٌ في الوَعيِ بحَرَكةٍ تُماثِلُ حَرَكةَ هدايَته. والحَجُّ كلُّه تَصحيحٌ لمَسارٍ كانَ تائِهاً قَبلَ البَيان، لا امتيازٌ طَبقيٌّ لأهلِ الصَّلاح.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ برَفعِ وَهمٍ كانَ سائداً: طَلَبُ الرِّزقِ موسِمَ الحَجِّ ليسَ مَيلاً جانبيّاً بجَذرِ (ج-ن-ح)، فالحاجُّ يَبقى إنساناً فاعِلاً في اقتِصادِه ولا يُطلَبُ منه الانسِحابُ من الحَياة. والفَضلُ بجَذرِ (ف-ض-ل) ما زادَ عن الحَدّ، وطَلَبُه بالجِدِّ بجَذرِ (ب-غ-ي) سَعيٌ مَشروعٌ يَسيرُ جَنباً لِجَنبٍ مع الدَّورِ الحَجّيّ. ثُمَّ تَنقُلُ الآيةُ من الاقتِصادِ إلى المَعرِفة: الإفاضةُ بجَذرِ (ف-ي-ض) خُروجُ السَّائلِ من وِعائِه بعدَ التَّجَمُّع، وعَرَفاتٌ بجَذرِ (ع-ر-ف) إدراكٌ بعدَ غَيبة، فالحاجُّ بعدَ الوُقوفِ في عَرَفاتٍ يَفيضُ من مَكانِ مَعرِفتِه بتَدَفُّق. والمَشعَرُ بجَذرِ (ش-ع-ر) مَوضِعٌ يُستَشعَرُ فيه حُضورٌ دقيق لا مَحَلٌّ يُعبَد، والذِّكرُ «كما هداكم» استِحضارٌ يُماثِلُ حَرَكةَ الهِداية، وهي بجَذرِ (هـ-د-ي) الإرسالُ بِرِفقٍ إلى مَوضِعِه. وخاتِمةُ «وإن كُنتُم من قَبلِه لمِنَ الضَّالِّين» تُقِرُّ حَقيقةً تاريخيّة وتَمنَعُ كِبراً: الاهتِداءُ حَديثٌ والدَّورُ عَطيّةٌ لا استِحقاق.