آل عمران · الآية 79

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ

«مَا كَانَ لِبَشَرٍ»: الصَّلاحيّةُ مَرفوعةٌ عن جِنسِ البَشَر

تَفتَحُ «ما كان» نفياً يَرفعُ صلاحيةَ الفعلِ المذكورِ عن أيّ بشر. والبشرُ من ب-ش-ر، وأصلُه اتصالٌ يجري نافذاً في ظهورٍ منتشر، ثمّ تمتدُّ حركتُه، فالاسمُ يُبقي الموصوفَ داخلَ حدِّ البشرية. واللامُ في «لبشر» تُثبتُ محلَّ الاستحقاقِ المنفيّ، فيَسري الحكمُ على جنسِ البشرِ كلّه من غيرِ أن يَحتبسَ في فردٍ أو زمن.

«أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ»: العَطاءُ الثُّلاثيّ يَسبِقُ القَول

و«أن» تُفَصِّلُ ما نُفِيَت صَلاحيّتُه، والفاعِلُ في «يؤتيه» هو الله، والهاءُ مَحلُّ العَطاء. وأوّلُ المعطوفاتِ الكتابُ، وهو من ك-ت-ب: شَيءٌ يُحبَسُ بِضَغطٍ دَقيقٍ ويَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَتَمَسَّكُ بِه، ثمّ يأتي الحُكمُ من ح-ك-م، ومعناه احتِواءٌ باطِنٌ يَمتَسِكُ ويَقطَعُ التَّفلُّتَ ثمّ يَجتَمِعُ في ضَبط، وتُعطَفُ النُّبوّةُ ثالثةً. ولا تَجعَلُ الآيةُ هذه العطايا مِلكاً مُستَقِلّاً يُحوِّلُ مُتَلَقّيها إلى مَصدَرٍ مقابِل.

«ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ»: التَّراخي يَكشِفُ استِحالةَ الانقِلاب

و«ثمّ» تَضعُ مَسافةً بينَ العَطاءِ وبينَ القولِ المنفيّ، فتَجعَلُ الانقِلابَ ظاهراً، أي أن يَقولَ للنّاسِ بَعدَ أن يُؤتيَه الله أن يَكونوا عباداً له من دونِ الله. والعِبادةُ من ع-ب-د: ظُهورٌ من العُمقِ يَتَّصِلُ ويَتمَسَّكُ ثمّ يَثبُتُ تحتَ ضَغطٍ وانضِباط. و«لي» تَجعَلُ البَشَرَ غايةَ هذه العِبادة، في حينِ تَضَعُها «من دون الله» في جِهةٍ مُنفَصِلةٍ عنه. والنَّفيُ الأوّلُ يَحكُمُ هذا التَّرتيبَ كلَّه، ومَعناه أنّ العَطاءَ الإلهيَّ لا يَستَقيمُ أن يَنقَلِبَ دَعوةً إلى عِبادةِ مُتَلَقّيه.

«وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ»: الاستِدراكُ يُعيدُ الوِجهةَ إلى الرَّبّ

ثمّ تَقطَعُ «لكن» المَسارَ المنفيَّ وتَفتَحُ بَديلَه المَقول: «كونوا ربانيين». والرَّبُّ من ر-ب-ب، وهو جَريانٌ مُستَرسِلٌ يَتَّصِلُ ويَتمَسَّك، ثمّ يُضاعِفُ الحَرفُ المُكَرَّرُ الصِّلةَ ويُحكِمُها، و«ربانيين» نِسبةٌ إلى الرَّبِّ تُوَجِّهُ الكَينونةَ إليه، لا إلى البَشَرِ الذي أُعطِيَ الكتاب. وجاءَ الأمرُ بالفعلِ نَفسِه «كونوا» الذي جاءَ في القولِ المنفيّ، غيرَ أنّ خَبَرَه تَغَيَّرَ من «عباداً لي» إلى «ربانيين»، وبذلك يَبقى الإنسانُ مُتَلَقِّياً ودالّاً، ولا يَستَولي على الوِجهة.

«بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ»: الرَّبّانيّةُ تُربَطُ بعَمَلٍ مُستَمِرّ

والباءُ تَصِلُ الأمرَ بسَبَبٍ أو أداةٍ مَذكورةٍ مرّتَين: «بما كنتم». والتَّعليمُ من ع-ل-م يُخرِجُ العِلمَ من عُمقِه ويَصِلُه بمَعلومِه في علامةٍ مَمسوكة، وصيغةُ التَّفعيلِ تُحَوِّلُ هذا الإخراجَ إلى غَيرِ صاحِبِه مَرّةً بعدَ مَرّة، فالتَّعليمُ في الآيةِ عَمَلٌ يُعادُ، لا خَبَرٌ يُلقى مَرّةً واحِدة. ومَفعولُه الكتاب، فلا يَنفَصِلُ التَّعليمُ عن المَصدرِ المَذكور. ثمّ تُعادُ الباءُ مع الدَّرسِ، وهو من د-ر-س: ثَباتٌ يَجري في مَجرىً دَقيقٍ مُتَّصِل ثمّ يَمتَدُّ مُراجِعاً أَثَرَه. و«كنتم» تُعطي العَمَلَ امتِداداً سابقاً، فيَتَكَوَّنُ الوَصفُ من تعليمِ الكتابِ ودَرسِه، لا من ادِّعاءِ مَقامٍ للنَّفس.


حَصيلة

تَنفي الآيةُ أن يَستَقيمَ لبَشَرٍ آتاه الله الكتابَ والحُكمَ والنُّبوّةَ أن يَنقَلِبَ بعدَ العَطاءِ فيَطلُبَ من النّاسِ أن يكونوا عباداً له من دونِ الله، ثمّ تَستَدرِكُ بالوِجهةِ الموافِقةِ للمَصدر: كونوا ربانيين. وتَربِطُ هذا الوَصفَ بما كانَ يَجري من تعليمِ الكتابِ ودَرسِه، ولا تَترُكُه ادِّعاءً مُجرَّداً. والعَطاءُ يَجعَلُ البَشَرَ في خِدمةِ كتابٍ يُعَلَّمُ ويُدرَس، ولا يَرفَعُه إلى غايةِ العِبادة، والوِجهةُ تَبقى للرَّبّ.