العاديات · الآية 5

﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا

«وَسَطنَ»: التَّوَسُّطُ الذي يَخرِقُ الصَّفّ

والجِذرُ (و س ط) مَدارُه على المَركَز، أي على ما هو في القَلبِ من الشَّيء، ومِنه «الوَسَطُ» اسماً، و«الوَسيطُ» لِلذي يَجلِسُ بَينَ طَرَفَين، و«الواسِطةُ» لِما يُتَوَسَّطُ بِه، وكُلُّها صورةٌ واحِدة: مَوقِعٌ بَينَ نِهايَتَين. و«وَسَطَ» فِعلاً مَعناه صارَ في وَسَطِ شَيء، أو خَرَقَه إلى مَركَزِه، فمَعنى «وَسَطنَ بِهِ جَمعاً» غُصنَ في وَسَطِ الجَمعِ بِالجَريِ نَفسِه.

وهذه نُقطةُ ذُروة، فقد كانَتِ الخَيلُ في الآياتِ السّابِقةِ تَتَقَدَّمُ في الزَّمَن، تَركُضُ وتُورِي وتُغير، وهي الآنَ داخِلَ الهَدَف، وليسَ بَعدَ هذا تَقَدُّم، فالفِعلُ خَتم. والقارِئُ الذي ظَلَّ يَسمَعُ صَوتَ الجَريِ يَتَدَرَّجُ من الأُذُنِ إلى العَينِ إلى الأرضِ يَجِدُ نَفسَه الآنَ في قَلبِ المَشهَد، وكأنَّ السّورةَ أدخَلَته بِالتَّدَرُّجِ ثُمَّ أغلَقَت عَلَيه البابَ في الكَلِمةِ الخامِسة.

«بِه»: الضَّميرُ الذي تَكَرَّر

وتَكَرَّرَ «بِه» مَرَّتَينِ في الآيَتَينِ الرّابِعةِ والخامِسة، ولم يُفَصَّلِ المَرجِع: أثَرنَ بِه نَقعاً، ووَسَطنَ بِه جَمعاً. والعَجَبُ أنَّ هذا الإبهامَ يَتَّسِقُ مَعَ بِنيةِ الصّورة، فالجَريُ والظَّرفُ والمَكانُ والرّاكِبُ كُلُّها تَتَّحِدُ في فِعلٍ واحِد، ولا تَستَطيعُ الخَيلُ أن تُغيرَ بِغَيرِ راكِب، ولا أن تُغيرَ بِغَيرِ صُبح، ولا أن تَتَوَسَّطَ بِغَيرِ مَكان، فكُلُّها «هو»، والضَّميرُ يَحمِلُها مَعاً.

وفي ذلك مَوقِفٌ بَلاغِيٌّ نادِر، فالكِتابُ يَترُكُ الإبهامَ مَقصوداً لِيَرُدَّ القارِئَ إلى تَدَبُّرِ الصّورة، ومَن أرادَ تَفسيراً واحِداً قَطَعَ الصّورةَ على وَجه، ومَن قَبِلَ الإبهامَ سَمِعَها كُلَّها: الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والصّورةُ تَسبِقُ التَّأويل.

«جَمعاً»: الكَثرَةُ المَجموعَةُ التي تُخرَقُ

و(ج م ع) في أصلِه ضَمُّ الأجزاءِ في كُلٍّ واحِد، ومِنه «الجَماعةُ» و«الجَمعُ» و«الجامِعُ» (المَكانُ الذي تَجتَمِعُ فيه النّاس). و«جَمعاً» في الآيةِ نَكِرةٌ مَنصوبة، أي جَمعٌ ما، جَمعٌ من النّاسِ كَثيف، والخَيلُ تَدخُلُ في وَسَطِه، وتَخرِقُ الكَثافةَ بِجَريِها، فيَنفَتِقُ ما كانَ مُتَلاحِماً، ويَتَفَكَّكُ ما كانَ صَفّاً.

والقارِئُ يَتَأمَّلُ هذه الصّورةَ مَرّةً ثانِية: خَمسُ آياتٍ مُتَتالِية، الأُولى تَفتَحُها، والخامِسةُ تَخرِقُ بِها مَركَزَ ما يَنبَغي خَرقُه. وهذه الخَمسُ، إذا فُكِّرَ فيها، تُمَثِّلُ صورةَ الإنسانِ في عُمرِه، فهو عَيشٌ يَجري كَخَيل، يُورِي ما يُورِي، ويَأتيه صُبح، ويُثيرُ غُباراً، ثُمَّ يَتَوَسَّطُ جَمعاً. والجَمعُ هُنا غَيرُ جَمعِ النّاسِ في مَعرَكة، وقد يَكونُ الجَمعَ الكُبرى، أي الجَمعَ الذي يَجتَمِعُ فيه الخَلقُ يَومَ القِيامة، وكأنَّ السّورةَ تُلَخِّصُ في خَمسِ صُوَرٍ كُلَّ المَسير، من الجَريِ في الأرضِ إلى التَّوَسُّطِ في جَمعِ الحَشر.

ولِذلك يَأتي بَعدَها مُباشَرةً الجَوابُ: «إنَّ الإنسانَ لِرَبِّه لَكَنود»، وما كُلُّ هذا المَسيرِ إلّا لِيَصِلَ القارِئُ إلى الحُكم، والخَيلُ وَفِيّةٌ لِراكِبِها في كُلِّ مَرحَلةٍ من الجَري، وأمّا الإنسانُ فحُكمُه يُقالُ بَعدَ كَلِمة.


حَصيلة

هذه الفاءُ الرّابِعةُ والأخيرة. ومَعنى (و-س-ط) القَلبُ بَينَ طَرَفَين، فالوَسَطُ مَوضِعُ النُّفوذِ إلى صَميمِ الشَّيء، و«وَسَطنَ» هي الغَوصُ في القَلب، وقد أوثِرَت على «وَصَلنَ» (الحافّة) و«هَجَمنَ» (الخارِج). و«جَمعاً» من (ج-م-ع)، وهو ضَمُّ الأجزاءِ في كُلٍّ كَثيف، ثُمَّ خَرقُه. والخَيلُ بَعدَ خَمسِ مَراحِل (نَفَس، شَرَر، فَجر، غُبار، ثُمَّ قَلبُ الجَمع) تَكونُ قد أدَّت مَسيرَها كُلَّه، و«بِه» يَتَكَرَّرُ مُبهَماً لأنَّ الفِعلَ وظَرفَه وراكِبَه شَيءٌ واحِدٌ لا يَنفَصِل. والخَيلُ وَفِيّةٌ في كُلِّ مَرحَلةٍ من الجَري، وستَصِفُ الآيةُ التّالِيةُ الإنسانَ بِعَكسِ ذلك تَماماً. والسُّؤالُ الذي تَترُكُه الخَمسُ عن مُنتَهى الخَيلِ جَوابُه: في وَسَطِ الجَمع، وعن مُنتَهى الإنسانِ جَوابُه: وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾.