العاديات · الآية 6

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ

«إنَّ … لَ …»: ثَلاثَةُ أَقفالٍ مَرَّةً ثانيَة

وتَجتَمِعُ هُنا «إنَّ» و«اللّام» في جُملةٍ واحِدة، كما في سورةِ العَصر، والعَرَبُ تَعرِفُ أنَّ هذا التَّوكيدَ المُكَرَّرَ لا يَأتي إلّا حينَ يَتَوَقَّعُ المُتَكَلِّمُ أنَّ المُخاطَبَ سيَرفُض، والإنسانُ يَرفُضُ بِالفِعل، فهو يَرى نَفسَه شاكِراً، وفَريضَتَه مُؤَدّاة، وخَيرَه مُشاراً إلَيه، والكِتابُ يَقولُ لَه: لَستَ كذلك، ويَدعوه إلى أن يُقفِلَ الأُذُنَ التي يَفتَحُها لِنَفسِه، ويَفتَحَ الأُذُنَ التي يُريدُ غَلقَها.

ولأنَّ الحُكمَ ثَقيلٌ يَأتي تَدريجِيّاً، فالقَسَمُ بِالخَيلِ أوَّلاً يُهَيِّئُ القارِئ، والفَرَسُ يَعرِفُ راكِبَه، والقارِئُ يَعرِفُ ذلك بِفِطرَتِه، ثُمَّ يَأتي الجَوابُ كأنَّه استِنتاجٌ تِلقائِيٌّ يُسأَلُ فيه: كيفَ يَكونُ الإنسانُ أقَلَّ مَعرِفةً من الفَرَس؟ وهذا مِمّا سَكَتَتِ السّورةُ عن التَّصريحِ بِه، غَيرَ أنَّها بَنَتِ المَشهَدَ كُلَّه على هذه المُحاجَجة.

«لِرَبِّه»: التَّخصيصُ الذي يَفضَح

وتَقديمُ «لِرَبِّه» على الخَبَرِ يُفيدُ في النَّحوِ العَرَبِيِّ الاختِصاص، ولَو جاءَ الكَلامُ: «إنَّ الإنسانَ لَكَنودٌ لِرَبِّه» لَكانَ المَعنى مَوزوناً، غَيرَ أنَّه جاءَ «إنَّ الإنسانَ لِرَبِّه لَكَنود»، بِتَقديمِ المَفعولِ غَيرِ الصَّريح، فأُلقِيَ الضَّوءُ على «الرَّبّ»، فهو يَكنُدُ لِلَّذي رَبّاه، لا بِإطلاق، ولا لِزَوجةٍ، ولا لِصاحِب.

و«الرَّبُّ» في الجِذرِ (ر ب ب) يَجمَعُ التَّربِيةَ بِالمِلكِيّة، فلا يَقِفُ مَعناه عِندَ السِّيادة: «رَبَّ» الصَّبِيَّ نَمّاه ورَفَعَه، و«رَبُّ المَنزِل» صاحِبُه الذي يَرعاه. فالرَّبُّ هو الذي يَرعى ويُنَمّي، لا الذي يَملِكُ من خارِج، وكُنودُ الإنسانِ مَوضوعٌ في وَجهِ هذا بِعَينِه، فالذي يَكنُدُه هو مَن رَبّاه من نُطفةٍ إلى عَقلٍ يَنطُق، وليسَ مَن لم يَفعَلْ لَه شَيئاً.

واللّامُ في «لِرَبِّه» لامُ الاستِحقاق، ومَعناها أنَّ ما يَستَحِقُّه الرَّبُّ مِنه هو الشُّكر، وهو يَأتي بِالكُنودِ في مَكانِه، والتَّقديمُ يَفضَحُ هذا التَّناقُض، فهو يَكنُدُ المُستَحِقَّ لِلشُّكر، والفَرَسُ في الآياتِ السّابِقةِ لا تَفعَلُ ذلك بِراكِبِها.

«كَنود»: الإنسانُ الذي يَأبى أَن يَعتَرِف

وفي (ك ن د) عَجَبٌ من العَرَبِيّة، فمِنه «الأرضُ الكَنود»، وهي الأرضُ القاحِلةُ التي لا تُنبِتُ شَيئاً، و«الكَنودُ» في الإنسانِ الذي لا يَعتَرِفُ بِالنِّعمةِ التي وَصَلَت إلَيه، وهو مُتَعَمِّدٌ في الإنكار، ولا يَنحَصِرُ أمرُه في أن يَكونَ ناسِياً أو مُقَصِّراً. والجِذرُ يَدُلُّ على أرضٍ تَستَلِمُ الماءَ ولا تُخرِجُ زَرعاً، وكذلك الإنسانُ الكَنود، يَستَلِمُ النِّعَمَ ولا يُخرِجُ شُكراً.

وهذا فَرقٌ دَقيقٌ مُهِمّ، فلَو جاءَ «لَكَفور» لَكانَ المَعنى أوسَع، يَشمَلُ مَن لا يُؤمِن، أو مَن يَستُرُ النِّعمة، وقد أوثِرَ «كَنود»، وهو يُحَدِّدُ النَّوع: مَن يَستَلِمُ ولا يَعتَرِفُ بِالاستِلام. فالفَرَسُ تَستَلِمُ التِّبنَ من يَدٍ وتَنحَني لِلرّاكِبِ بِالاعتِراف، والإنسانُ يَستَلِمُ الكَونَ كُلَّه من يَدٍ ولا يَنحَني، كالأرضِ القاحِلةِ تَستَلِمُ المَطَرَ ولا تَرُدُّ زَرعاً، وذلك هو الكَنود.

واللّامُ في «لَكَنود» لامُ التَّوكيدِ المُزَحلَقة، تَأتي بَعدَ «إنَّ» تَأكيداً ثانِياً، فهو كَنودٌ نَصّاً على تَوكيدٍ مَنطوق، وليسَ كَنوداً مُحتَمَلاً ولا عَرَضِيّاً.

صَدى الحُكمِ في البَقَرَة: الأَمرُ المَعكوسُ

والبَقَرةُ تَلتَقِطُ هذا الحُكمَ في صورةٍ مَعكوسة، فهُنا تُقَرِّرُ السّورةُ ما هو الإنسان، وهُناكَ تَأمُرُه بِما يَخرُجُ بِه مِنه: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، وهي ثَلاثةُ أوامِرَ في آيةٍ واحِدة، كُلُّها رَدٌّ على ما تَقولُه العادِيات: فالذِّكرُ ضِدُّ النِّسيانِ الذي يَأنَسُ إلَيه الإنسانُ في جِذرِه، والشُّكرُ ضِدُّ الكُنود، والنَّهيُ عن الكُفرِ ضِدُّ سَترِ النِّعمة، وكأنَّ البَقَرةَ تَضَعُ بَينَ يَدَيِ الإنسانِ الأوامِرَ التي يَخرُجُ بِها من الكُنودِ الذي وَصَفَته بِه السّورةُ القَصيرة. الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والأمرُ يَتبَعُ الوَصف.

ولِذلك تَأتي الآيةُ السّابِعةُ مُباشَرةً: «وَإنَّه على ذَلكَ لَشَهيد»، فالإنسانُ نَفسُه يَعرِفُ كُنودَه، والسّورةُ تَستَدعي مِنه الإقرارَ القَلبِيّ، ولا تَنتَظِرُ مِنه إقراراً بِاللِّسان، وأوَّلُ مَن يَعرِفُ كُنودَ الإنسانِ هو الإنسانُ نَفسُه.


حَصيلة

الآيةُ السّادِسةُ جَوابُ القَسَم، وهي مَحوَرُ السّورةِ كُلِّها: خَمسُ آياتٍ من قَسَمٍ مُتَراكِمٍ بِالخَيلِ المُغيرة، ثُمَّ هذا الحُكمُ المُؤَكَّدُ بِثَلاثةِ أقفال، فـ«إنَّ» تَوكيدٌ أوَّل، وتَقديمُ «لِرَبِّه» على الخَبَرِ تَخصيصٌ وكَشف، و«اللّامُ» في «لَكَنود» تَوكيدٌ ثالِث، والمُتَكَلِّمُ يَتَوَقَّعُ مُقاوَمةً فيَسُدُّ كُلَّ مَنفَذ. والمُقاوَمةُ مَفهومة، إذ لا أحَدَ يَرضى بِهذا الوَصف.

وجِذرُ (ر-ب-ب) يَجمَعُ التَّربِيةَ بِالمِلكِيّة، فالرَّبُّ مَن يَرعى ويُنَمّي، لا مَن يَملِكُ من بَعيد، وتَقديمُ «لِرَبِّه» يُضيءُ هذا بِعَينِه، فالكُنودُ مُوَجَّهٌ إلى مَن رَبّاه من نُطفة، وليسَ عامّاً. وجِذرُ (ك-ن-د) يَرسُمُ صورةَ «الأرضِ الكَنود» التي تَستَلِمُ المَطَرَ ولا تُنبِتُ زَرعاً، وكذلك الإنسانُ بِما هو إنسان، بِألِ الجِنسِيّةِ الشّامِلة، يَستَلِمُ النِّعَمَ ولا يَرُدُّ شُكراً. ولَو جاءَ «كَفور» لَكانَ المَعنى أوسَع، غَيرَ أنَّ «كَنود» يُحَدِّدُ النَّوع، وهو الإنكارُ الدّاخِلِيُّ لِما وَصَل، لا الجُحودُ المُعلَن.

والقَسَمُ بِالخَيلِ يُمَهِّدُ لِهذا الحُكمِ بِمُحاجَجةٍ صامِتة، فالفَرَسُ تَعرِفُ راكِبَها وتَجري تَحتَه بِإخلاص، ثُمَّ يَأتي الحُكمُ بِأنَّ الإنسانَ لا يَعرِفُ مَن رَبّاه، فيُعلَنُ الفَرقُ على المَلَأِ دونَ أن تُذكَرَ الخَيلُ مَرّةً ثانِية. ويَصِلُ صَدى هذه الآيةِ إلى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ من البَقَرة، فالأوامِرُ الثَّلاثةُ هُناكَ هي الخُروجُ بِعَينِه من الكُنودِ الذي وُصِفَ هُنا.