الماعون · الآية 5
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«عَن صَلاتِهِم»: المُجاوَزَةُ التي يَكشِفُها حَرفُ الجَرّ
اختيارُ الحَرفِ في القرآنِ مَقصودٌ دائماً. لو قِيل «في صَلاتِهم ساهُون» لكان الفَهمُ أنّهم يَسهَونَ داخِلَها، أي يَنسَونَ شَيئاً جُزئيّاً منها (آيةً، رَكعَةً، تَسبيحةً). ولكنَّ الآيةَ قالت «عَن». وحَرفُ «عَن» في النَّحوِ العَربيِّ يَدُلُّ على المُجاوَزة، على البُعدِ والتَّخَطّي. القَلبُ ليس داخلَ الصَّلاةِ يَنسى، بل قَد جاوَزَها كلَّها إلى مَكانٍ آخَر.
هذا الفَرقُ بين «في» و«عَن» يَفصلُ بين السَّهوِ المَغفور والسَّهوِ المَذمومِ في هذه السورة. السَّهوُ في الصَّلاةِ بَشَريّ، يَقعُ من كلِّ مُصَلّ، ولذلك شُرِعَ سُجودُ السَّهوِ يَجبُرُه. أمّا السَّهوُ عَن الصَّلاةِ، فهو غيابُ المعنى عن الفِعلِ كلِّه: المُصَلّي يَركَعُ وقَلبُه ليس راكعاً، يَسجُدُ وقَلبُه ليس ساجِداً. الصَّلاةُ تَجري بَدَنيّاً، وهو خارجَها.
والدِّينُ كلُّه في هذا السورةِ يَنحدِرُ على هذا الخَطّ: الفِعلُ ظاهراً، وغيابُ مَعناه. مَن يَدُعُّ اليَتيمَ كان يَفعَلُ بيَدِه فِعلاً مَنزوعَ الرَّحمَة. ومَن يَسهو عَن صَلاتِه يَفعَلُ بجَسَدِه فِعلاً مَنزوعَ القَلب. وكِلاهُما تَكذيبٌ بالدِّين. الأوّلُ يُكَذِّبُ بالحِسابِ بعَدوانه؛ والثاني يُكَذِّبُ به بصَلاتِه التي لا تَخافُ ولا تَرجو.
«ساهُون» لا «ناسُون»: الفَرقُ بين النِّسيانِ والذُّهول
السَّهوُ في اللسانِ العربيِّ ذُهولٌ مع وُجود، ليس انعِداماً للذِّكرى. السَّاهي حاضرٌ بجَسَدِه، غائبٌ بانتباهِه. والنَّاسي قد طُمِسَ على ذِكرِه فلم يَعُد يَستَحضِر. ولذلك قالَ القرآنُ في النِّسيانِ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ (الحَشر 19): النِّسيانُ غيابٌ كاملٌ يَستَتبِعُ غيابَ النَّفسِ نَفسِها. أمّا السَّهوُ، فحُضورٌ مَخدوعٌ.
والسورةُ تَختارُ السَّهوَ بالذات، لأنَّ ما تَصِفُه ليس انقِطاعَ المُصَلّي عن الصَّلاة. لو انقَطَعَ لما كان مُصَلّياً أصلاً. هي تَصِفُ المُصَلّي القائمَ في الصَّلاةِ بصورَتِه، الغائبَ عَنها بقَلبِه. هذا أَخطَرُ من النِّسيان، لأنَّ النَّاسيَ يُذَكَّرُ فيَتَذَكَّر، والسَّاهي يَحسَبُ نَفسَه ذاكِراً.
وأَدَقُّ ما في هذا التَّوصيف: المُصَلّي السَّاهي قد يَخرُجُ من صَلاتِه راضِياً عن نَفسِه. أَدَّى ما عليه. ركَعَ السَّجدَتَين، قَرَأَ الفاتحة، تَشَهَّد. ولا يَدري أنَّ صَلاتَه قد جَرَت بدونه. السورةُ تَكشِفُ هذا الانفِصامَ بكَلمةٍ واحدة، وتَدَعُ القارئَ يَفحَصُ نَفسَه.
حَصيلة
الآيةُ تُحَدِّدُ لِمَ وَقَعَ الوَيل: «الذينَ هُم عَن صَلاتِهم ساهُون». الدَّقَّةُ في حَرفِ الجَرّ: «عَن» لا «في». لم يَقُل «ساهونَ في صَلاتِهم» بل «عَن صَلاتِهم»: مُجاوَزَةٌ وصَرفٌ. الذِّهنُ يَنصَرِفُ عَن الصَّلاةِ إلى سِواها. «ساهُون» (س-ه-و) لا «ناسُون»: السَّهوُ انزِلاقٌ عَن الانتِباهِ، والنِّسيانُ غِيابٌ كامِل. السَّاهي يَعلَمُ في أَعمَاقِه أنَّه يَنبَغي أن يَنتَبِه، لكنَّه لا يَنتَبِه. الانزِلاقُ مُستَمِرٌّ مَقصودٌ نِسبيّاً. ضَميرُ الفَصلِ «هُم» تَأكيدٌ: ليسَ هذا عارِضاً، بل هو شَأنُهم.