الماعون · الآية 6

﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ

«يُراؤون»: الفِعلُ مُتَوَجِّهٌ إلى عَينٍ ثالثَة

والفِعلُ على صيغَةِ المُفاعَلَة، وهي مَركَزُ المَعنى، فلَو جاءَ «الذين يُرَون» مَبنيّاً للمَجهولِ لَكانَ المَعنى أنَّهم يَقَعونَ في عَينِ النّاظِرِ صُدفَةً، ولَو جاءَ «الذين يُرونَ النّاسَ» لَكانَ المَعنى أنَّهم يَعرِضون. وعُدِلَ عنهما إلى «يُراؤون»، وهي حَرَكَةٌ مُزدَوَجَةٌ يَكونُ فيها المَرءُ فاعِلاً ومَفعولاً في الآنِ نَفسِه: يَرَونَ أَنفُسَهم في عَينِ النّاظِر، ويَرَونَ النّاظِرَ يَراهُم، وصَلاتُهم كُلُّها تَجري على هذا التَّبادُل.

ويَرِدُ هذا الجَذرُ في القُرآنِ على وَجهٍ مُغايِرٍ يَكشِفُ المَعنى بالمُقابَلَة: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾، والمُرادُ الخُروجُ بِنِيَّةِ أن يُرى، فالفِعلُ كُلُّه مُوَجَّهٌ من بِدايَتِه إلى عَينٍ بَشَريَّة. وكذلك الصَّلاةُ في هذه الآيَة، فهي صَلاةٌ صُمِّمَت في باطِنِها لِتَنزِلَ على عَين، ولا يَقِفُ أَمرُها عِندَ صَلاةٍ يَطَّلِعُ عَلَيها أَحَد.

والفَرقُ بَينَ الصَّلاتَينِ دَقيق، فصَلاةُ المُتَّقي قد يَراها النّاس، ويُحَبُّ أن تُرى لأنَّها تَنفَعُهم بالقُدوَة، غَيرَ أنَّها غَيرُ مَفعولَةٍ لِأَجلِ أن تُرى. وأَمّا صَلاةُ المُرائي فعلى العَكس، لا تَقومُ إلّا حَيثُ تُرى، وتَتَلاشى حَيثُ تَغيبُ العَين، والسُّؤالُ الذي تَترُكُه السّورَةُ لِقارِئِها أن يَسأَلَ نَفسَه: هل تَبقى صَلاتُه إذا غابَ كُلُّ ناظِر؟

الجَذرُ نَفسُه في فاتِحَةِ السورة

وفي اختيارِ هذا الجَذرِ بِعَينِه تَدبيرٌ يَلُفُّ السّورَةَ على نَفسِها، فقد افتُتِحَت بـأَرَأَيْتَ﴾، وهو سُؤالٌ يَطلُبُ من القارِئِ رُؤيَةً قَلبيَّة، ثُمَّ عادَت في الآيَةِ السّادِسَةِ إلى الجَذرِ نَفسِه على صيغَةِ المُفاعَلَة، لِتَصِفَ مَن قَلَبَ الرُّؤيَةَ الباطِنَةَ عَرضاً ظاهِراً. فالقارِئُ سُئِلَ في البِدايَةِ أن يَرى، والمُرائي صارَ في النِّهايَةِ مَوضوعاً تَحتَ نَظَرِه.

وفي هذا التَّماثُلِ في الجَذرِ صَنعَةٌ بَلاغيَّة: الحَرفُ الذي يَفتَحُ بابَ المَعرِفَةِ هو نَفسُه الذي يُغلَقُ بِه على المَعرِفَةِ المُنحَرِفَة، ومَن سَمِعَ السّورَةَ من أَوَّلِها إلى آخِرِها سَمِعَ الجَذرَ يَتَدَحرَجُ في صُوَرِه: رُؤيَةُ القَلب، ثُمَّ رُؤيَةٌ مَطلوبَةٌ من النّاس، والأُولى تَكشِف، والثّانيَةُ تُغَطّي.

والذي يَلُفُّ المَشهَدَ كُلَّه أنَّ المُكَذِّبَ بالدّينِ (الآيَةُ الأُولى) يَنزِعُ من الفَضيلَةِ مَعناها، ولا يَهجُرُها كُلَّ الهَجر: يَدُعُّ اليَتيمَ ولا يَنفَعُه، ولا يَحُضُّ على الإطعامِ ولا يَدفَعُ شَفَقَة، ويُصَلّي ولا يَكونُ في الصَّلاة، ثُمَّ يُصَلّي لِيَنظُرَ النّاسُ فِعلَه، فالفِعلُ ظاهِرٌ والمَعنى ساقِط، وهذا ما تَكشِفُه السّورَةُ لِلقارِئ.


حَصيلة

ويَتَكَرَّرُ «الذين هُم» مَرَّةً ثانيَة، ويَأتي الوَصفُ الثّالِث: «يُراؤون» (ر-أ-ي)، وهو جَذرُ «أَرَأَيتَ» في فاتِحَةِ السّورَة، والسّورَةُ بَدَأَت بسُؤالِ الرُّؤيَةِ وخَتَمَت أَوصافَ المُكَذِّبِ بالرُّؤيَة. و«يُراءون» على وَزنِ «فاعَلَ»، وهو فِعلٌ مُشتَرَك، فالمُرائي يَطلُبُ أن يُرى من عَينٍ ثالثَة، لا من صاحِبِ العَمَل. والعِبادَةُ الحَقيقيَّةُ مُوَجَّهَةٌ لِمَن لا يُرى، والعِبادَةُ المُرائى بها مُوَجَّهَةٌ لِمَن يَرى، فالاتِّجاهُ فيها مَقلوب، والمُرائي بصَلاتِه يُؤَكِّدُ تَكذيبَه بالدّينِ حينَ يَعتَقِدُ أنَّ العَينَ البَشَريَّةَ أَهَمُّ من عَينِ رَبِّه.