الماعون · الآية 4

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ

«وَيلٌ»: إحاطَةٌ تَلتَئِمُ ولا تَفلِت

و«الوَيل» مِنَ النَّواةِ المُتَّصِلةِ و-ي-ل، وهي حُروفٌ تَجتَمِعُ على إحاطَةٍ تَلتَفُّ ولا تَنفَكّ، فالوَيلُ وَصفٌ لحالٍ يُحيطُ بصاحِبِه من كلِّ جِهة، زيادةً على أنَّه تَهديدٌ بعَذاب، وكأنّ الكَلِمةَ نَفسَها تُطبِقُ على فَمِ مَن يَنطِقُها مَرَّةً، ثمّ لا تَترُكُ مَن يَستَحِقُّها.

وفي اختيارِ هذه الكَلِمةِ بالذاتِ على المُصَلّينَ شِدَّةٌ مَقصودة، فالمُصَلّي في عُرفِ القارئِ مُتَّجِهٌ إلى الوَصلِ بربِّه، فاتِحٌ بابَ الرَّحمة، والسورةُ تَقولُ إنَّ صَلاتَه نَفسَها قد تَكونُ هي الإحاطَةَ التي تُطبِقُ عليه، إذا كانت صَلاةً مَقطوعَةً عمّا يَنبَغي أن تُحَرِّكَه فيه.

وقد تَكَرَّرَ هذا الإيقاعُ في البَقَرَة: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾، والوَيلُ فيها يَقَعُ على فِعلٍ ظاهِرُه دينيّ، والمَنطِقُ نَفسُه يَتَكَرَّرُ هنا، ومَن يَفعَلُ فِعلَ التَّعَبُّدِ ظاهِراً ويَنقُضُ مَعناه باطِناً يَستَدعي وَيلاً مُحَدَّداً، لأنَّ الانحِرافَ في القَريبِ من الحَقِّ أَخطَرُ من الانحِرافِ في البَعيدِ عَنه.

«المُصَلّين»: الصَّلاةُ صِلَةٌ، ولكنْ بمَن؟

وفي ص-ل-و، بِبُنيَتِه، وَصلَةٌ قَويَّةٌ تَمتَدّ، والصَّلاةُ في القُرآنِ ليست شَعيرَةً مُفرَدَة، وهي اسمٌ لكلِّ ما يَصِلُ العَبدَ بربِّه: حَنينٌ يَتَوَجَّه، وانتِباهٌ يَنعَقِد، وحَركةٌ تَنحَني، والمُصَلّي مَن يُمارِسُ هذه الصِّلَة. غَيرَ أنَّ الصِّلةَ بمُجَرَّدِ صورَتِها لا تَكفي، والسُّؤالُ: صِلَةٌ بمَن، وإلى أين، وبأيِّ قَلب؟

والسورةُ هنا تُعَرّي الصَّلاةَ ولا تَنقُضُها، فتَفصِلُ بَينَ الصَّلاةِ حَركةً مَدروسَة، والصَّلاةِ صِلَةً حَقيقيَّةً في الباطِن، وستَكشِفُ في الآياتِ التّاليَةِ ثَلاثَ صُوَرٍ يَنفَكُّ فيها الظّاهِرُ عن الباطِن: مَن صَلّى وقَلبُه ساهٍ عن الصَّلاة، ومَن صَلّى ليُرى لا ليَصِل، ومَن صَلّى ثمّ مَنَعَ الماعون، وكلُّها صَلَواتٌ بصورَتِها مَنزوعَةٌ من حَقيقَتِها.

ويَزدادُ المَعنى عُمقاً حين تَلتَقي السورةُ بالفاتِحة، فالفاتِحةُ نَفسُها صَلاة، ومَن قَرَأَها وقَلبُه في وادٍ آخَرَ فهو نَموذَجُ المُصَلّي السّاهي قَبلَ أن تُسَمّيَه السورة.


حَصيلة

تَتَحَوَّلُ السورةُ بالفاءِ مِن وَصفِ الآخَرِ إلى الخِطابِ الصّاعِقِ في «فَوَيلٌ لِلمُصَلِّين»، والوَيلُ (و-ي-ل) كَلِمَةٌ في أقصى طَيفِ الذَّمّ، وإحاطَةٌ تَلتَئِمُ ولا تَفلِت. والصَّدمَةُ في المَوضِعِ لا في الكَلِمَة، فالوَيلُ لِلمُصَلّين، أي لِمَن يُصَلّي، دونَ التّارِكين. والصَّلاةُ (ص-ل-و) صِلَةٌ واتِّصال، ومَن يُصَلّي يَنشُدُ اتِّصالاً، والآيةُ تَشتَرِطُ أن تَكونَ الصَّلاةُ مَوصولَةً بِصاحِبِها فِعلاً، ولا تَكتَفي بالقيامِ والرُّكوعِ وَحدَهُما، فالوَيلُ لمَن يُقيمُ الصّورةَ بِلا صِلَة، ولِمَن يَمشي في الشَّكلِ ويَشرُدُ عن المَعنى.