الكافرون · الآية 5

﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ

التَّكرارُ في النَّحو، والتَّجَدُّدُ في المَوضِع

التَّكرارُ في الآيتَين الثالثَةِ والخامِسَةِ مَوضِعُ إصغاءٍ دَقيق، ومَحَلُّ النَّظَرِ فيه وَجهُ تَكرارِ النَّفيِ نَفسِه بِالنَّحوِ نَفسِه. والتَّحقيقُ النَّحويُّ يَكشِفُ أنَّ التَّكرارَ في النَّحوِ غَيرُ التَّكرارِ في المَوضِع: فالآيةُ الثالثَةُ تَأتي بَعدَ نَفيٍ في الحاضِرِ في الآيةِ الثانية، فَتَتَحَدَّثُ عَن صِفَةٍ مُمتَدَّةٍ في زَمَنٍ مَفتوحٍ نَحوَ المُستَقبَل، والآيةُ الخامِسَةُ تَأتي بَعدَ نَفيٍ في الماضي في الآيةِ الرَّابِعَة، فَتَتَحَدَّثُ عَن صِفَةٍ مُمتَدَّةٍ تَختِمُ الزَّمَنَ مِن جَنَبَتِه الأُخرى.

فالنَّفيُ نَفسُه، والزَّمَنُ الذي يُؤَطِّرُه مُختَلِف، وكأنَّ السورةَ تَقول: الصِّفَةُ التي نَفَيتُها قَبلَ أن أَدخُلَ الماضي هي نَفسُها الصِّفَةُ التي أَخرُجُ بها مِن الماضي، فلا الماضي يُغَيِّرُها، ولا الحاضِرُ يُلَيِّنُها، ولا المُستَقبَلُ يَفتَحُها. والصِّفَةُ ثابِتَة، والزَّمَنُ كلُّه قد عَبَرَ مِن جَنَبَتَيها. وهذه قِراءَةٌ لُغَويَّةٌ نَحويَّة، تَستَنِدُ إلى المَوضِعِ النَّحويِّ لكلِّ آيةٍ في تَتابُعِها، ولا تَقِفُ عِندَ لَفظِها وَحدَه.

ومِن زاويَةٍ ثانيةٍ يَفتَحُها النَّصُّ نَفسُه تُخاطِبُ الآيتانِ الثانيَةُ والثالثَةُ ما تَعبُدونَه الآنَ وما يَتَبَدَّى مِن تَعَبُّدٍ في زَمانٍ آتٍ، وتُخاطِبُ الآيتانِ الرَّابِعَةُ والخامِسَةُ الماضيَ المُستَجمَعَ والصِّفَةَ التي تَستَجمِعُه. والنَّتيجَةُ في كلتا الزّاويَتَين واحِدَة، وهي أنَّ الفَصلَ يَستَنفِذُ الزَّمَنَ بِكلِّ احتِمالاتِه، فلا يَبقى مَوضِعٌ لِلتَّقاطُع.

الصِّفَةُ تُسَمَّرُ في الوَعي بِالعَودَةِ إِلَيها

والقرآنُ يُثَبِّتُ المَعنى في الوَعيِ بِالعَودَةِ إِلَيه، كما تَفعَلُ الفاتِحَةُ في الصَّلاة، فهي تُكَرَّرُ في كلِّ رَكعَةٍ حتى تَستَقِرَّ في القَلب. والسورةُ هُنا تَفعَلُ الشَّيءَ نَفسَه في صيغَةٍ أَصغَر: تَفصِلُ في الآيةِ الثالثَة، ثمّ تَدخُلُ الزَّمَنَ في الرَّابِعَة، ثمّ تَعودُ إِلى الفَصلِ نَفسِه في الخامِسَة، وكأنَّ الصِّفَةَ تُكتَبُ مَرَّتَين بَينَهُما الزَّمَنُ كلُّه، فلا يَبقى لَدى القارِئِ شَكٌّ في أنَّها لا تَتَبَدَّل.

وفي هذا التَّسميرِ سَمَتٌ من سَمَتِ السورةِ كلِّها، فهي تَكشِفُ ما هو حاصِلٌ بِنَحوٍ يَختِمُ عَلى مَوضِعِه، دونَ وَعيدٍ ولا لَعنٍ ولا نَفيٍ لِلقَدر. والقارِئُ يَخرُجُ مِن السورةِ بِشُعورِ المُتَيَقِّنِ مِن أنَّ الفَصلَ في مَوضِعِه، وأنَّ مَوضِعَ التَّوحيدِ في باطِنِه قَد طُهِّرَ مِنَ الخَلط، وهو شُعورٌ غَيرُ شُعورِ المُنتَصِر.

السورةُ كَخَلوَةٍ تَسبِقُ التَّوحيد

والآيةُ الخامِسَةُ هي الخَتمُ قَبلَ الآيةِ السادِسَةِ التي تَفتَحُ بَابَ المُغادَرَةِ بِأَدَب، فما يَجِبُ أن يُقالَ قد قِيل: الزَّمَنُ كلُّه استُنفِذَ، والصِّفَةُ ثُبِّتَت، والفاعِلُ في كلِّ جِهَةٍ سُمِّيَ، ولم يَبقَ إِلّا أن تُغلَقَ المُحاوَرَة، وهو ما تَفعَلُه الآيةُ السادِسَةُ في عِبارَةٍ هادِئَة: «لَكُم دينُكُم وَلِيَ دين».

وَلِذلِكَ تَأتي الآيةُ الخامِسَةُ كَآخِرِ نَفسٍ تَلتَقِطُهُ السورةُ قَبلَ الخاتِمَة. فقد كانَت السورةُ خَلوَةً قَبلَ التَّوحيد، وَالخَلوَةُ هُنا تَكتَمِل، وما بَعدَها سُورَةُ النَّصرِ ثمّ المَسَدِ ثمّ الإخلاص، غَيرَ أنَّ الإخلاصَ لا يُمكِنُ أن يَنطِقَ ما لَم تَكتَمِل هذه الخَلوَة، والكافِرونَ تُنَظِّفُ المَوضِعَ فَيَنطِقُ الإخلاصُ في مَوضِعٍ نَظيف.


حَصيلة

تَعودُ الآيةُ الثالثَةُ حَرفاً بِحَرف: «ولا أنتُم عابِدونَ ما أَعبُد». والتَّكرارُ في القُرآنِ تَسميرٌ في الوَعي، وليس مَلءَ فَراغ، والصِّفَةُ التي وَرَدَت مَرَّةً يُمكِنُ أن تَمُرَّ على السَّمع، أمّا التي تَعودُ فتَنقُشُ نَفسَها. والسورةُ في آياتِها الخَمسِ تُقيمُ جِداراً من جِهَتَين: جِداراً يَقولُ «أنا لستُ هناكَ»، وجِداراً يَقولُ «أنتُم لَستُم هنا»، وكلَّما عَرَضَ التَّأويلُ نَفسَه أُعيدَ رَسمُ الحَدّ. والحَدُّ لا يَنطَوي على مَوَدَّة، ولا يَنطَوي أيضاً على عَداوَة، فهو خَطٌّ واضِحٌ يَمنَحُ الطَّرَفَين صَراحَةً.