يس · الآية 11

﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ

«إنَّما تُنذِر»: حَصرُ الإنذارِ النافِعِ في مَن انفَتَحَ قَلبُه

«إنَّما» أداةُ حَصرٍ تَقصُرُ الإنذارَ المُثمِرَ على صِنفٍ بِعَينِه: «مَنِ اتَّبَعَ الذِّكرَ وخَشِيَ الرَّحمنَ بِالغَيب». فبَعدَ وَصفِ المُنغَلِقِ الذي استَوى عِندَه الإنذارُ وعَدَمُه (آية ١٠) يُحَدَّدُ المَحَلُّ الذي يَعمَلُ فيه الإنذار. والإنذارُ في ذاتِه عامّ، غَيرَ أنَّ أثَرَه يَظهَرُ حَيثُ يوجَدُ استِعداد، أي قَلبٌ تابِعٌ لِلذِّكرِ خاشٍ بِالغَيب.

«اتَّبَعَ الذِّكرَ وخَشِيَ الرَّحمنَ بِالغَيب»: شَرطانِ مُتَلازِمان

«اتَّبَعَ الذِّكرَ» من (ت ب ع)، أي سارَ على أثَرِ التَّذكِرةِ مُنضَمّاً إلَيها، والذِّكرُ ما يُعيدُ إلى الحُضورِ ما غُطِّيَ بِالغَفلة، وهو ضِدُّ غَفلةِ آية ٦. و«خَشِيَ الرَّحمنَ بِالغَيب» في (خ ش ي) خَوفٌ مَمزوجٌ بِتَعظيم، وهو هنا «بِالغَيب» دونَ مُشاهَدة، فهو يَخشاهُ ولا يَراه. وفي اختيارِ اسمِ «الرَّحمن» مَعَ الخَشيةِ دِقّة، إذ يَخشى مَن صِفَتُه الرَّحمةُ الواسِعة، فخَشيَتُه إجلالٌ، وليسَت رُعباً من قاهِر. وهذانِ الشَّرطانِ نَقيضُ الأغلالِ والسُّدود: اتِّباعٌ يَفتَحُ ما أُغلِق، وخَشيةٌ تَكسِرُ كِبرَ المُقمَح.

«فَبَشِّرهُ بِمَغفِرةٍ وأجرٍ كَريم»: بِشارةٌ تُقابِلُ الإنذار

والفاءُ تُرَتِّبُ على وُجودِ الشَّرطَينِ بِشارةً تُقابِلُ الإنذار: «بِمَغفِرةٍ وأجرٍ كَريم»، فالإنذارُ لِلمُنغَلِقِ والبِشارةُ لِلمُنفَتِح. و«المَغفِرة» مادّتُها (غ ف ر)، ومَعناها سَترٌ يَقي، وأصلُ «الأجرِ الكَريم» (ك ر م)، والمُرادُ بِه عَطاءٌ سَخِيٌّ بِلا مَنٍّ ولا حِساب. فالمُنذِرُ نَفسُه يُبَشِّر، ووَظيفَتُه ذاتُ وَجهَين: تَحذيرٌ لِمَن أغلَق، وبُشرى لِمَن فَتَحَ بابَه.


حَصيلة

«إنَّما» تَحصُرُ الإنذارَ المُثمِرَ في مَحَلٍّ مُستَعِدّ: «مَنِ اتَّبَعَ الذِّكرَ وخَشِيَ الرَّحمنَ بِالغَيب». و«اتَّبَعَ الذِّكرَ» (ت-ب-ع) سَيرٌ على أثَرِ ما يُعيدُ المُغَطّى إلى الحُضور، وهو نَقيضُ الغَفلة، و«خَشِيَ الرَّحمنَ بِالغَيب» (خ-ش-ي) إجلالٌ لِمَن صِفَتُه الرَّحمةُ من غَيرِ مُشاهَدة. والشَّرطانِ نَقيضُ الأغلالِ والسُّدود، فالاتِّباعُ يَفتَح، والخَشيةُ تَكسِرُ الكِبر. ثُمَّ تُرَتِّبُ الفاءُ بِشارةً تُقابِلُ الإنذار: «بِمَغفِرةٍ» (غ-ف-ر)، وهي سَترٌ يَقي، «وأجرٍ كَريمٍ» (ك-ر-م)، وهو عَطاءٌ سَخِيٌّ بِلا مَنّ. فالمُرسَلُ يُحَذِّرُ ويُبَشِّر، والآيةُ تُريحُه عن إيمانِ المُنغَلِقِ وتُوَجِّهُه إلى مَن يَنفَعُ فيه القَول.