يس · الآية 12

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ

«إنَّا نَحنُ نُحيي المَوتى»: تَوكيدٌ بِالاختِصاصِ على فِعلِ الإحياء

اجتَمَعَ في صَدرِ الآيةِ تَوكيدان: «إنَّا» ثُمَّ ضَميرُ الفَصلِ «نَحنُ»، فيُفيدانِ الاختِصاصَ والحَصر، أي نَحنُ لا غَيرُنا نُحيي المَوتى. و«الإحياء» من (ح ي ي)، وهو بَعثُ الحَرَكةِ والإدراكِ في ما فَقَدَهُما، و«المَوت» في (م و ت) سُكونٌ يَنقَطِعُ بِه الفِعل. وذِكرُ الإحياءِ هنا بَعدَ وَصفِ القَومِ الذين «لا يُبصِرون» (آية ٩) مَوصولٌ بِالسّياق، فمَن أحيا المَوتى قادِرٌ على أن يَكشِفَ الغِشاءَ ويَفتَحَ البَصيرة، والعَمى عِندَ مَن بِيَدِه الإحياءُ غَيرُ نِهائيّ.

«نَكتُبُ ما قَدَّموا وآثارَهُم»: الفِعلُ وأثَرُه الباقي

والكِتابةُ هنا تَجمَعُ أمرَين: «ما قَدَّموا» من (ق د م)، أي ما فَعَلوه فأرسَلوه أمامَهُم، و«آثارَهُم» من (أ ث ر)، أي ما تَرَكَه فِعلُهُم من عَلاماتٍ تَبقى بَعدَهُم وتَجري. فالمَكتوبُ امتِدادُ العَمَلِ في ما يُحدِثُه من أثَرٍ يَسري في غَيرِهِم وفي الزَّمَنِ بَعدَهُم، ولا يَقِفُ عِندَ العَمَلِ لَحظةَ وُقوعِه. وهذا يُقابِلُ «السَّدَّ من خَلفِهِم» (آية ٩)، فالأثَرُ الذي حُجِبوا عن رُؤيتِه مَكتوبٌ مَحفوظ، يَجري وهُم عَنه غافِلون.

«وكُلَّ شَيءٍ أحصَيناهُ في إمامٍ مُبين»: الجَمعُ في سِجِلٍّ يُؤتَمُّ به

«أحصَينا» من (ح ص ي): عَدَدنا عَدّاً مُحيطاً لا يُفلِتُ مِنه شَيء، و«كُلَّ شَيء» تَعميمٌ لا يَستَثني. و«الإمام» أصلُه (إ م م)، وهو ما يُؤتَمُّ بِه ويُقتَدى، والأصلُ الجامِعُ الذي تُرَدُّ إلَيه الفُروع، ولِذلك سُمِّيَ السِّجِلُّ الجامِعُ «إماماً»، لأنَّه المَرجِعُ الذي يُحتَكَمُ إلَيه. و«مُبين» (ب ي ن) ظاهِرٌ يُخرِجُ المَكنونَ إلى الوُضوح. فكُلُّ ما قَدَّمَه الإنسانُ وكُلُّ أثَرٍ تَرَكَه مَجموعٌ في مَرجِعٍ مُحيطٍ واضِحٍ يُرَدُّ إلَيه، فلا يَضيعُ فِعلٌ ولا يَنفَلِتُ أثَر.


حَصيلة

تُغلِقُ هذه الآيةُ مَطلَعَ السّورةِ بِتَقريرِ القُدرةِ والإحاطة. فـ«إنَّا نَحنُ» تَوكيدانِ يُفيدانِ الاختِصاص، والإحياءُ (ح-ي-ي) لِلمَوتى (م-و-ت) لله وَحدَه، ومَن بِيَدِه الإحياءُ قادِرٌ على كَشفِ الغِشاءِ عن المُنغَلِقين. والكِتابةُ تَجمَعُ «ما قَدَّموا» (ق-د-م)، وهو العَمَلُ المُرسَلُ أمامَهُم، و«آثارَهُم» (أ-ث-ر)، وهي ما يَبقى من فِعلِهِم يَسري بَعدَهُم، وذلك هو الأثَرُ الذي حُجِبوا عن رُؤيتِه («السَّدّ من خَلفِهِم»)، وهو مَكتوبٌ مَحفوظ. ثُمَّ «أحصَيناه» (ح-ص-ي) عَدٌّ مُحيطٌ لِـ«كُلِّ شَيء» في «إمامٍ مُبين» (إ-م-م + ب-ي-ن)، أي في مَرجِعٍ جامِعٍ يُؤتَمُّ بِه، واضِحٍ تُرَدُّ إلَيه الأعمالُ وآثارُها. فلا فِعلَ يَضيعُ ولا أثَرَ يَنفَلِت، والذي يُحيي المَوتى هو الذي يُحصي كُلَّ شَيء.