يس · الآية 47

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ

«أنفِقوا مِمّا رَزَقَكُمُ الله»: الأمرُ يَنُصُّ على مَصدَرِ المالِ

و«وإذا قيلَ لهُم أنفِقوا مِمّا رَزَقَكُمُ الله» أمرٌ بِالإنفاقِ مَقرونٌ بِبَيانِ مَصدَرِ المال. وأصلُ «الإنفاق» (ن ف ق) إخراجُ المالِ وبَذلُه حتّى يَنفُذَ من اليَد، من «نَفَقَ» الشيءُ إذا نَفِدَ ومَضى. و«مِمّا رَزَقَكُمُ الله» يَقطَعُ حُجّةَ الضَّنِّ من أصلِها، فالمالُ الذي بِأيديكُم رِزقُ اللهِ أوَّلاً، وإنفاقُ بَعضِه رَدٌّ لِبَعضِ ما أُعطيتُم، لا انتِقاصٌ من مِلكِكُمُ الخالِص. فالأمرُ إذَن يُذَكِّرُهُم بِالمُعطي قَبلَ أن يَطلُبَ مِنهُمُ العَطاء.

«أنُطعِمُ مَن لو يَشاءُ اللهُ أطعَمَه»: قَلبُ الحُجّةِ لِتَبريرِ المَنع

فرَدّوا بِقَلبِ المَشيئةِ حُجّةً لِلبُخل: «أنُطعِمُ مَن لو يَشاءُ اللهُ أطعَمَه»، وظاهِرُ ما قالوه تَفويضٌ وباطِنُه تَهَرُّب، وذلك أنَّهُم جَعَلوا فَقرَ الفَقيرِ مَشيئةً إلهِيّةً لا يَنبَغي لهُم نَقضُها، فكَأنَّهُم أعلَمُ بِمُرادِ اللهِ من أن يُطعِموا. والحُجّةُ مُنتَقِضةٌ بِنَفسِها، فإنَّ اللهَ هو الذي أمَرَ بِالإنفاق، فمَشيئَتُه في إطعامِ الفَقيرِ تَجري على أيديهِم هُم، وامتِناعُهُم بِحُجّةِ المَشيئةِ مُخالَفةٌ لِما شاءَه اللهُ صَريحاً. ونَظيرُه ما يُحتَجُّ بِه دائِماً من اتِّخاذِ القَدَرِ ذَريعةً لِتَركِ المَأمور، والقَدَرُ إنَّما يُحتَجُّ بِه على المَصائِبِ لا على المَعاصي.

«إن أنتُم إلّا في ضَلالٍ مُبين»: قَلبُ التُّهمةِ على الدّاعين

ثُمَّ زادوا فرَمَوا الدّاعينَ بِالضَّلال: «إن أنتُم إلّا في ضَلالٍ مُبين». و«الضَّلال» (ض ل ل) ذَهابٌ عن الطَّريقِ القَصدِ وضَياعٌ عَنه، و«مُبين» ظاهِرٌ بَيِّن. فقَلَبوا الآيةَ، وجَعَلوا الآمِرَ بِالخَيرِ ضالّاً مُبيناً، والمُمتَنِعَ عَنه على هُدىً. وهذا غايةُ العِناد، فهُم يَصِفونَ أصحابَ الدَّعوةِ بِما هُم أولى بِه، ولا يَقِفونَ عِندَ رَدِّها. وبِذلك صارَ الإعراضُ الذي تَقَدَّمَ (آية ٤٦) اتِّهاماً مُعَكَّساً يُرمى بِه الدّاعون.


حَصيلة

«أنفِقوا مِمّا رَزَقَكُمُ الله» أمرٌ بِالإنفاق، وهو في (ن-ف-ق) بَذلُ المالِ حتّى يَنفُذ، وقد قُرِنَ الأمرُ بِمَصدَرِ المال، فالمالُ رِزقُ الله، وإنفاقُه رَدٌّ لِبَعضِ ما أُعطوا، لا انتِقاصُ مِلكٍ خالِص. فرَدّوا بِقَلبِ المَشيئة: «أنُطعِمُ مَن لو يَشاءُ اللهُ أطعَمَه»، وظاهِرُه تَفويضٌ وباطِنُه تَهَرُّب، وهو مُنتَقِضٌ بِنَفسِه، فاللهُ أمَرَ بِالإنفاق، ومَشيئَتُه تَجري على أيديهِم، فالاحتِجاجُ بِالقَدَرِ لِتَركِ المَأمورِ باطِل. ثُمَّ رَمَوا الدّاعينَ بِالضَّلال، وأصلُه (ض-ل-ل) الذَّهابُ عن الطَّريق، فجَعَلوا الآمِرَ بِالخَيرِ ضالّاً مُبيناً، وذلك غايةُ العِناد، اتِّهامٌ مُعَكَّسٌ يُرمى بِه الدّاعون.