النازعات · الآية 24

﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ

«فَقَالَ»: المَضمونُ المُؤَخَّرُ يَنزِلُ بِلَفظِه

وَقَفَتِ الآيةُ قَبلَها عِندَ رَفعِ الصَّوتِ ولم تَقُلْ بِمَ نودي: فَحَشَرَ فَنَادَىٰ﴾. وتَجيءُ الفاءُ هُنا فتَضَعُ المَضمونَ في مَوضِعِه. سَطرٌ واحِدٌ بَينَ الصَّوتِ ومَعناه، وقد كانَ يُمكِنُ أن يُقالا في نَفَسٍ واحِد. وتَأخيرُ المَضمونِ سَطراً يَجعَلُ السّامِعَ يَنتَظِرُ ما يَنتَظِرُهُ المَحشورون.

ولم تَقُلِ الآيةُ «فادَّعى» ولا «فزَعَم». قالَت «فقالَ» ثُمَّ سَلَّمَتِ الجُملةَ بِحُروفِها. والقَولُ من ق-و-ل صَوتٌ يُطلَقُ مَوصولاً فيَمتَدُّ إلى سامِع، وهذا هو المَوصوفُ هُنا: كَلامٌ خَرَجَ فبَلَغ. تَتَنَحّى الآيةُ عنِ الوَصفِ وتَنقُلُ اللَّفظَ كَما نُطِق. والقَولُ إذا نُقِلَ بِحَرفِهِ شَهِدَ على قائِلِهِ بِلا شاهِد.

«أَنَا رَبُّكُمُ»: نِسبةٌ تُعلَنُ على مَن سيقوا إلَيها

جُملةٌ لا فِعلَ فيها. «أنا» ثُمَّ «رَبُّكُم»، اسمٌ يُخبَرُ عنه بِاسم، فلا زَمَنَ فيها ولا حَدَث. ولَيسَ فيها «صِرتُ» ولا «سأكونُ»: حالٌ تُعرَضُ قائِمةً كَأنَّها لم تَبدَأ. والدَّعوى إذا صيغَت بِلا فِعلٍ استَغنَت عن تاريخٍ تُسأَلُ عنه.

والكَلِمةُ المُختارةُ «رَبّ» لا سِواها، وقد سُمِعَت في هذه السّورةِ مُضافةً إلى مُفرَد: وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾. هُناكَ رَبٌّ يُهدى إلَيه، وهُنا رَبٌّ يُعلِنُ نَفسَه. واللَّفظُ في جِذرِهِ ر-ب-ب مُلازَمةٌ جارِيةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال، رِفقٌ يَمشي مَعَ ما يُنَشِّئُه. ثُمَّ تَجيءُ «كُم» فتُعَلِّقُ النِّسبةَ بِجَمعٍ حاضِر، وهو الجَمعُ الذي سيقَ وضُمَّ في السَّطرِ قَبلَه. ومَن صَنَعَ جُمهورَهُ بِيَدِهِ لا يَنتَظِرُ مِنه جَواباً لم يُهَيِّئْه.

«الْأَعْلَىٰ»: تَفضيلٌ يَحتاجُ إلى مَن هُم أسفَل

«الأعلى» أفعَلُ تَفضيل، والتَّفضيلُ لا يَقومُ وَحدَه: يَحتاجُ إلى مُفَضَّلٍ عَلَيه. لم تَقُلِ الدَّعوى «رَبُّكُمُ الواحِد» ولا «رَبُّكُم لا رَبَّ سِواه»؛ قالَت «الأعلى»، فأثبَتَت سُلَّماً وطَلَبَت أعلى دَرَجاتِه. والذي يَتَصَدَّرُ سُلَّماً يُقِرُّ بِالسُّلَّمِ أوَّلاً.

والعُلُوُّ من ع-ل-و ارتِفاعٌ يَبرُزُ من عُمقٍ ثُمَّ يوصَلُ بِما فَوقَه. فالكَلِمَتانِ في الدَّعوى مَشدودَتانِ إلى جِهَتَين: «رَبّ» يُلازِمُ ويَمشي مَعَ، و«الأعلى» يُفارِقُ ويَرتَفِعُ عَن. وقد جُمِعَ بَينَهُما في نَفَسٍ واحِد. ومَن رَفَعَ نَفسَهُ دَرَجةً أقَرَّ أنَّ فَوقَ الدَّرَجةِ دَرَجة.


حَصيلة

يَنزِلُ المَضمونُ الذي أُخِّرَ سَطراً، ويَنزِلُ بِلَفظِه: «فقالَ» ثُمَّ الجُملةُ بِحُروفِها، لا «ادَّعى» ولا «زَعَم». والجُملةُ بِلا فِعل، فلا زَمَنَ لَها ولا مَبدَأَ تُسأَلُ عنه. والكَلِمةُ «رَبّ»، وهي في هذه السّورةِ كَلِمةُ ما يُهدى إلَيه، وفي جِذرِها مُلازَمةٌ تَجري مَعَ المُلازَمِ وتَنقُلُه. ثُمَّ «كُم» تُعَلِّقُها بِجَمعٍ صُنِعَ بِالسَّوقِ قَبلَ سَطر. ثُمَّ «الأعلى» تَفضيلٌ يُثبِتُ سُلَّماً ويَطلُبُ ذِروَتَه، فيَجتَمِعُ في الدَّعوى لَفظُ المُلازَمةِ ولَفظُ المُفارَقة. الدَّعوى ثَلاثُ كَلِمات، وقد قيلَت لِمَن لم يَجتَمِعْ إلّا لِيَسمَعَها.