النازعات · الآية 25

﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ

«فَأَخَذَهُ اللَّهُ»: اسمٌ يُصَرَّحُ بِهِ حَيثُ مَضَتِ الأفعالُ بِلا فاعِلٍ مُسَمّى

تَتابَعَت قَبلَ هذه الآيةِ سِتّةُ أفعال: فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ﴾، ثُمَّ الإدبارُ والحَشرُ والنِّداءُ والقَول، وكُلُّها بِضَميرٍ مُستَتِرٍ لا يُسَمّى صاحِبُه. ثُمَّ جاءَتِ الفاءُ فصُرِّحَ بِالفاعِلِ لِأوَّلِ مَرّةٍ في هذا التَّتابُع، وبَقِيَ الذي ادَّعى العُلُوَّ في الآيةِ قَبلَها ضَميراً في «أخَذَهُ»، فالتَّسمِيةُ واقِعةٌ على طَرَفٍ واحِدٍ من الفِعلِ دونَ الآخَر.

و«أخَذَ» أصلُه أ-خ-ذ: تَناوُلٌ يَنفُذُ إلى الشَّيءِ فيَحوزُه، ومِنه «أخَذَتهُ الحُمّى» إذا أمسَكَت بِه فضَبَطَت حَرَكَتَه. وأوثِرَ «فأخَذَهُ» على «أهلَكَهُ» و«أزالَه»، ووَقَفَتِ الآيةُ عِندَ الأخذِ فلم تَصِفْ صورَتَه ولا أداتَه. فقد كانَتِ الدَّعوى ارتِفاعاً، وجاءَ الجَوابُ قَبضةً تُمسِك، والدَّعوى في ثَلاثِ كَلِمات، والجَوابُ في واحِدة.

«نَكَالَ»: عُقوبةٌ تُسَمّى بِعَمَلِها فيمَن يَراها

والنَّكالُ في ن-ك-ل قَيدٌ يُمسِكُ الماضيَ في وِجهَتِه فيُقعِدُه عَنها، ومِنه «نَكَلَ عنِ الأمرِ» إذا أمسَكَ عَنه وامتَنَعَ بَعدَ إقدام، و«النِّكلُ» لِلقَيدِ الذي يَلزَمُ مَوضِعَه. فالمادّةُ تَصِفُ الكَبحَ دونَ الألَم، أي ما تَقِفُ عِندَه القَدَمُ الذّاهِبة.

وجاءَتِ الكَلِمةُ مَنصوبةً بَعدَ «أخَذَهُ» بِلا حَرفِ جَرّ، فالأخذُ نَفسُه هو النَّكال. وسُمِّيَتِ العُقوبةُ بِأثَرِها فيمَن سِوى المَأخوذ، ولم تُسَمَّ بِوَقعِها عَلَيه، ولِذلك تُتِمُّ الآيةُ التّالِيةُ ما بَدَأَته هذه: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾، فالقَبضةُ واقِعةٌ على واحِد، والمَقصودُ بِها عَينٌ تَنظُر.

«الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ»: طَرَفانِ يُذكَرانِ مَقلوبَي التَّرتيب

وعُدِلَ عن «في الآخِرةِ والأولى» إلى «نَكالَ الآخِرةِ والأولى»، فهي إضافةٌ لا ظَرف، والطَّرَفانِ ما يُنسَبُ إلَيه النَّكال، وليسا وِعاءَينِ يَقَعُ فيهِما. ولم تُلحِقِ الآيةُ بِواحِدٍ مِنهُما وَقتاً يُحَدِّدُه، فمَن قَرَأَ فيهِما تَرتيباً زَمَنِيّاً مَحسوماً فقد أضافَ إلى اللَّفظِ ما لَيسَ فيه.

ومَحَلُّ النَّظَرِ في النَّظمِ أنَّ ما يَدُلُّ على التَّأخيرِ قُدِّم، وما يَدُلُّ على التَّقَدُّمِ أُخِّر. والكَلِمَتانِ تَفتَتِحانِ بِهَمزةٍ واحِدةٍ ثُمَّ تَفتَرِقان: خاءٌ تُخَلخِلُ ما تَقَدَّمَ فتَفتَحُ وَراءَه فَراغاً يَجري، وواوٌ تُطيلُ المَسافةَ بَينَ المَبدَإِ وما تَلاه ثُمَّ يَرجِعُ إلَيه، فهُما طَرَفانِ لا ثالِثَ بَينَهُما، بَلَغَتهُما قَبضةٌ واحِدةٌ مَعاً.


حَصيلة

سِتّةُ أفعالٍ مَضَت بِفاعِلٍ لا يُسَمّى، ثُمَّ صُرِّحَ بِالاسمِ هُنا وَحدَه، وبَقِيَ المَأخوذُ ضَميراً. و«أخَذَ» في جِذرِه تَناوُلٌ يَنفُذُ فيَحوز، ولم تُذكَرْ صورَتُه ولا أداتُه، فقوبِلَ ادِّعاءُ الارتِفاعِ بِقَبضةٍ تُمسِك. ثُمَّ جاءَ «نَكالاً» مَنصوباً بِلا حَرفِ جَرّ، فالأخذُ هو النَّكال، والنَّكالُ في جِذرِه قَيدٌ يُقعِدُ الماضيَ عن مُضِيِّه، فهو عُقوبةٌ تُسَمّى بِما تَفعَلُه في الخُطوةِ التّالِية، لا بِما وَقَعَ على صاحِبِها. ثُمَّ طَرَفانِ أُضيفَ إلَيهِما النَّكالُ ولم يُجعَلا ظَرفاً لَه، ولا وَقتَ مَعَ أحَدِهِما، والمُتَأخِّرُ مِنهُما مُقَدَّمٌ في اللَّفظ. فالآيةُ تُثبِتُ الأخذَ وتُسَمّي الآخِذ، وتَترُكُ ما سِوى ذلك على سُكوتِه.