النازعات · الآية 23

﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ

«فَحَشَرَ»: ضَمٌّ يَسوقُ ولا يُسَمّي مَن ضُمّ

انتَهَتِ المُهلةُ التي فَتَحَتها «ثُمَّ» في الآيةِ قَبلَها، وعادَتِ الفاء. كَلِمَتانِ في هذه الآيةِ وفاءانِ بَينَهُما وقَبلَهُما، فالإيقاعُ يَتَسارَعُ بَعدَ الوَقفة. ما بَدَأَ بِمُهلةٍ يَمضي الآنَ بِلا فاصِل.

والحَشرُ من ح-ش-ر ضَمُّ المُتَفَرِّقِ في مَضيقٍ وسَوقُه إلى وَجهٍ واحِد. لَيسَ مُجَرَّدَ اجتِماع: في المادّةِ ضيقٌ ودَفعٌ مَعاً، ولِذلك قيلَ «أُذُنٌ حَشرة» لِلَّطيفةِ التي ضُمَّت حتّى دَقَّت. فالمَحشورونَ لا يَلتَئِمونَ من تِلقاءِ أنفُسِهِم، إنَّما يُساقونَ حتّى يَزدَحِموا.

ولم تَذكُرِ الآيةُ مَفعولاً. «فحَشَرَ» ولم تَقُلْ مَن حَشَر. الفِعلُ مُثبَتٌ والمَجموعُ مَسكوتٌ عنه، فيَبقى في الآيةِ الصَّنيعُ لا الأسماء. والجَمعُ يَسبِقُ القَول: يُصنَعُ الجُمهورُ أوَّلاً، ثُمَّ يُقالُ له ما يُقال.

«فَنَادَىٰ»: صَوتٌ يُرفَعُ لِمَن قُرِّبَ حتّى ازدَحَم

النِّداءُ من ن-د-ي صَوتٌ يَنبَعِثُ من الجَوفِ فيُدفَعُ ويَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ مَن نَأى. ومنه «النَّدِيّ» المَجلِسُ الذي تَبلُغُه الأصوات. والنِّداءُ لِلبَعيدِ في أصلِه، والذينَ نودوا هُنا قد ضُمّوا حتّى تَلاصَقوا. يُصنَعُ القُربُ بِالسَّوق، ثُمَّ يُخاطَبُ أهلُه بِصَوتِ مَن يُخاطِبُ البَعيد.

وقد جاءَ هذا الجِذرُ في السّورةِ من قَبل: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. هُناكَ نِداءٌ سُمِّيَ مُنادِيه وسُمِّيَ مُنادَاهُ وسُمِّيَ مَوضِعُه، ووَقَعَ على واحِد. وهُنا نِداءٌ بِلا مُنادىً مَذكورٍ ولا مَوضِعٍ مَذكور، ووَقَعَ على جَمعٍ سيقَ إلَيه. اللَّفظُ واحِدٌ والمَقامانِ لا يَلتَقِيان.

ولم تَقُلِ الآيةُ بِمَ نادى. تَقِفُ عِندَ رَفعِ الصَّوتِ وتُؤَخِّرُ ما حُمِلَ فيه إلى الآيةِ التّالِية. صَوتٌ سُمِعَ قَبلَ أن يُفهَم، ومَضمونُه يَنتَظِرُ سَطراً آخَر.


حَصيلة

فِعلانِ وفاءان. تَنقَضي المُهلةُ التي فَتَحَتها «ثُمَّ» فيَتَسارَعُ الإيقاع. «حَشَرَ» في جِذرِه ضَمٌّ في مَضيقٍ يَسوقُ ما فيه إلى وَجهٍ واحِد، لا اجتِماعاً يَقَعُ من تِلقاءِ نَفسِه، وجاءَ بِلا مَفعولٍ فبَقِيَ الصَّنيعُ مَذكوراً والمَصنوعُ بِهِم مَسكوتاً عنهُم. ثُمَّ «نادى»، والنِّداءُ في جِذرِه صَوتٌ يُدفَعُ لِيَبلُغَ البَعيد، فيُرفَعُ هُنا على قَومٍ قُرِّبوا حتّى تَلاصَقوا. وقد وَرَدَ الجِذرُ نَفسُه في السّورةِ نِداءً سُمِّيَ فيه المُنادي والمُنادَى والمَوضِع، فوَقَعَ على واحِد؛ وهُنا لا اسمَ ولا مَوضِعَ ولا مَضمون. الجَمعُ يُصنَعُ أوَّلاً، ثُمَّ يُرفَعُ الصَّوت.