عبس · الآية 12

﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ

«فَمَن»: بابٌ مَفتوحٌ بِلا حارِسٍ عَلَيه

الفاءُ تَصِلُ هذه الآيةَ بِما قَبلَها بِلا مُهلة. قيلَ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، فجاءَ في الحالِ مَن يَأخُذُها. الوَظيفةُ وُضِعَت، ثُمَّ فُتِحَ البابُ إلَيها.

و«مَن» شَرطِيّةٌ عامّة. لا تُسَمّي أحَداً ولا تَستَثني أحَداً، ولا تَشتَرِطُ صِفةً في الدّاخِل. وهذا يُقرَأُ مَعَ ما مَضى في السّورة: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ﴾ وقد أُقبِلَ عَلَيه، ووَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ﴾ وقد أُعرِضَ عنه. وهُنا لا إقبالَ ولا إعراض. تُلغى قِسمةُ المَنازِلِ حينَ يَصيرُ البابُ إلى مَن شاءَ لا إلى مَن رُشِّح.

«شَاءَ»: اقتِطاعُ طَرَفٍ واحِدٍ من مَدىً مُنتَشِر

الجِذرُ ش-ي-أ انتِشارٌ سارٍ يُفرَدُ منه طَرَفٌ فيُقطَعُ ويُثبَت. فالمَشيئةُ لَيست هَوىً يَعبُرُ ولا مَيلاً يَنقَضي، بل اختِيارُ جِهةٍ من بَينِ جِهاتٍ مَبسوطة، ثُمَّ قَطعُها عن سِواها.

وجاءَ الفِعلُ ماضِياً في مَوضِعِ الشَّرط، فالمَشيئةُ مَفروغٌ منها قَبلَ أن يَقَعَ الجَواب. ولم يُذكَرْ لَها مَفعول: «شاءَ» ووَقَفَت الآية. ما شاءَه مَعروفٌ ممّا قَبلَه، والصَّمتُ عنه يَجعَلُ الفِعلَ نَفسَه هو المَحَلّ. يَدٌ تَمتَدُّ إلى ثَمَرةٍ بَينَ ثِمار، فتُصبِحُ الثَّمَرةُ ثَمَرَتَها بِالمَدِّ وَحدَه.

«ذَكَرَهُ»: جَوابٌ يَقَعُ بِلا واسِطةٍ بَينَه وبَينَ شَرطِه

الجَوابُ ماضٍ كالشَّرط، مُلتَصِقٌ بِه. لا «سَوفَ» ولا أداةَ تَراخٍ ولا شَرطٌ ثانٍ. مَن شاءَ ذَكَر، في نَفَسٍ واحِد.

والضَّميرُ في «ذَكَرَهُ» مُذَكَّر، وقد كانَ في الآيةِ قَبلَها مُؤَنَّثاً في «إنَّها». اختَلَفَ الضَّميرانِ ولم تُسَمِّ الآيةُ واحِداً مِنهُما. فالمَذكورُ يُشارُ إلَيه مَرَّتَينِ بِوَجهَينِ ولا يُنادى بِاسمِه في المَوضِعَين.

و«ذَكَرَهُ» هُنا لازِمُ المَعنى بِالجِذر: إمساكٌ حادٌّ يَجري ويَبقى. فالفِعلُ الذي وَقَعَ لَيسَ نُطقاً عابِراً بل قَبضٌ على المَعنى واستِبقاؤُه. ومَن أخَذَ التَّذكِرةَ صارَت التَّذكِرةُ فيه.


حَصيلة

ثَلاثُ كَلِماتٍ تُقيمُ شَرطاً وجَواباً بِلا مَسافةٍ بَينَهُما. الفاءُ تَصِلُ التَّذكِرةَ بِآخِذِها بِلا مُهلة، و«مَن» تَفتَحُ البابَ عامّاً فلا تَرشيحَ فيه ولا اشتِراطَ مَنزِلة، وهذا في سورةٍ فَصَلَت قَبلاً بَينَ مُستَغنٍ أُقبِلَ عَلَيه وساعٍ أُعرِضَ عنه. و«شاءَ» من ش-ي-أ: انتِشارٌ سارٍ يُقتَطَعُ منه طَرَفٌ فيُقطَعُ ويُثبَت، وجاءَ ماضِياً بِلا مَفعولٍ مَذكور، فالفِعلُ نَفسُه هو المَحَلّ. و«ذَكَرَهُ» جَوابٌ ماضٍ مُلتَصِقٌ بِشَرطِه بِلا تَراخٍ، وضَميرُه مُذَكَّرٌ بَعدَ مُؤَنَّثِ «إنَّها»، والآيةُ لا تُسَمّي في المَوضِعَين. فالمَعروضُ وَظيفةٌ مَوضوعة، والتَّناوُلُ وَحدَه هو الفَرق. ما يُوضَعُ لِلنّاسِ جَميعاً لا يَصيرُ لِأحَدٍ حتّى يَمُدَّ إلَيه يَدَه.