عبس · الآية 13

﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ

«فِي»: حَرفٌ يَضَعُ المَوصوفَ في وِعاءٍ ولا يُسَمّيه

قيلَ قَبلُ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، فجاءَ الآنَ ظَرفُها. و«في» تَقولُ إنَّ لِهذه الوَظيفةِ مَحَلّاً تَقومُ فيه، ولا تَقولُ أينَ هو ولا لِمَن.

وهذا صَنيعُ السّورةِ مِنذُ أوَّلِها: تَصِفُ ولا تُسَمّي. كانَ الضَّميرُ مُبهَماً فبَقيَ مُبهَماً، ثُمَّ زيدَ عَلَيه ظَرفٌ مُبهَمٌ مِثلُه. الوَصفُ يَتَراكَمُ والاسمُ لا يَنزِل.

«صُحُفٍ»: كَلِمةٌ تُسَمّي المَحمِلَ لا المَحمول

الجِذرُ ص-ح-ف إمساكٌ صُلبٌ يَحتَوي ما بَينَ حافَّتَيه ثُمَّ يُفَرِّقُ ما احتَواهُ على ظاهِرِه. فالصَّحيفةُ سَطحٌ يُمسِكُ ويَنبَسِطُ عَلَيه ما يَتَفَرَّقُ سَطراً بَعدَ سَطر. ومنه صَحيفةُ الوَجه: بَسطَتُه التي يَظهَرُ عَلَيها ما في صاحِبِها.

فالكَلِمةُ اختارَت أن تُسَمّيَ الحامِلَ دونَ المَحمول. لَو أُريدَ المَكتوبُ لَجاءَ اسمُ المَكتوب، ولَكِنَّ الآيةَ وَقَفَت عِندَ السَّطحِ الذي يَحمِلُه.

وجاءَت جَمعاً نَكِرة: لا عَدَدَ يُحصى، ولا مالِكَ يُضافُ إلَيه، ولا مادّةَ تُذكَر. ثَلاثةُ أبوابٍ لِلتَّعيينِ أُغلِقَت في كَلِمةٍ واحِدة. والوِعاءُ يُوصَفُ هُنا بِما هو، لا بِما وُضِعَ فيه.

«مُّكَرَّمَةٍ»: صِفةٌ تُنالُ ولا تُملَك

الجِذرُ ك-ر-م إمساكٌ خَفيفُ اللَّمسةِ يَصونُ بِلا قَبض، ثُمَّ يَخرُجُ المَصونُ مُسترسِلاً. فالكَريمُ ما ضُنَّ بِه ثُمَّ بُذِل، لا ما حُبِسَ فمُنِع. والكَرَمُ في الجِذرِ صِيانةٌ تَنتَهي إلى عَطاء.

و«مُكَرَّمة» اسمُ مَفعولٍ من فَعَّلَ: وَقَعَ عَلَيها التَّكريمُ من فاعِلٍ لم يُذكَر. لَيسَ في اللَّفظِ أنَّها كَرُمَت بِنَفسِها، ولا مَن أوقَعَ عَلَيها ذلك. الصِّفةُ مَنالٌ، والمُنيلُ مَسكوتٌ عنه.

ووَقَعَتِ الصِّفةُ على الصُّحُفِ نَفسِها، على المَحمِلِ لا على ما فيه. والوِعاءُ الذي يُصانُ يُنبِئُ عن قَدرِ ما يَحمِل، ولا يَقولُه.


حَصيلة

حَرفٌ وكَلِمَتان، وكُلُّها تَصِفُ ولا تُعَيِّن. «في» تَضَعُ التَّذكِرةَ في مَحَلٍّ وتَسكُتُ عن مَوضِعِه وصاحِبِه. و«صُحُف» من ص-ح-ف: إمساكٌ صُلبٌ يَحتَوي ثُمَّ يَنبَسِطُ عَلَيه ما يَتَفَرَّق، فالكَلِمةُ تُسَمّي السَّطحَ الحامِلَ لا المَكتوبَ عَلَيه، وجاءَت جَمعاً نَكِرةً بِلا عَدَدٍ ولا مالِكٍ ولا مادّة. و«مُكَرَّمة» من ك-ر-م: صَونٌ خَفيفُ اللَّمسةِ يَنتَهي إلى بَذل، وهي اسمُ مَفعولٍ فالتَّكريمُ واقِعٌ عَلَيها من فاعِلٍ لم تُسَمِّه الآية. فالآيةُ تَزيدُ في الوَصفِ ولا تَزيدُ في التَّسمِية: مَحمِلٌ مَصونٌ يَحمِلُ ما يُذَكِّر. والصَّونُ يُقاسُ بِما يُصانُ لَه لا بِما يُقالُ فيه.