عبس · الآية 11

﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ

«كَلَّا»: كَفٌّ يَقَعُ على الحَرَكةِ قَبلَ أن يُستَأنَفَ الكَلام

تَنزِلُ «كَلَّا» فتَقطَع. ما قَبلَها إقبالٌ على واحِدٍ وانصِرافٌ عن آخَر: فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾. ولا تُجادِلُ «كَلَّا» في ذلك ولا تُطيلُ فيه. تَضَعُ يَدَها على الحَرَكةِ فتُوقِفُها، ثُمَّ تَبتَدِئُ الآيةُ من رَأس.

ولَيسَ قَبلَها قَولٌ مَنقولٌ يُرَدّ. المَكفوفُ هو المَيلُ نَفسُه: وَجهٌ مالَ، وانشِغالٌ تَبِعَه. ومَوضِعُها بَعدَ عَشرِ آياتٍ تَصِفُ ذلك المَيلَ يَجعَلُها حَدّاً في وَسَطِ السّورة. الكَفُّ لا يُخاصِمُ أحَداً، إنَّما يُفرِغُ المَجرى لِما سَيَجري فيه.

«إِنَّهَا»: ضَميرٌ يُؤَكَّدُ ولا يُفتَح

ثُمَّ تَقولُ «إنَّها» ولا تَقولُ ما هي. ضَميرٌ مُؤَنَّثٌ يَنزِلُ بِلا اسمٍ يَسبِقُه في اللَّفظ. و«إنَّ» تُشَدِّدُ التَّوكيد، فالتَّوكيدُ واقِعٌ على وَصفٍ لا على تَعيين.

والذي يَتلو الضَّميرَ يُخبِرُ عن عَمَلِه لا عن هُوِيَّتِه: «تَذكِرة». فالجُملةُ تَقولُ ماذا تَفعَل، وتَسكُتُ عن أن تَقولَ ما هي. ومَن أرادَ أن يُسَمِّيَها وَجَدَ الآيةَ قد سَبَقَته إلى الوَصف. والقِراءةُ تَقِفُ حَيثُ وَقَفَت.

«تَذْكِرَةٌ»: ما يُعيدُ البَعيدَ إلى مَوضِعِ العَمَل

الجِذرُ ذ-ك-ر نَفاذٌ حادٌّ يُمسَكُ عِندَ مَوضِعِه ثُمَّ يَجري: اختِراقٌ يَقبِضُ على المَعنى ولا يَدَعُه يَمُرّ. فالذِّكرُ لَيسَ تَرديداً بِاللِّسان، بل إحضارُ ما بَعُدَ عنِ الانتِباهِ إلى المَوضِعِ الذي يَعمَلُ فيه.

و«تَذكِرة» على وَزنِ تَفعِلة: اسمٌ لِفِعلٍ يَقَعُ على غَيرِ صاحِبِه. لَيسَت ذِكرى تَقومُ في نَفسِها، بل أداةٌ تُذَكِّرُ سِواها. وجاءَت نَكِرةً فلا عَدَدَ لَها ولا حَدّ.

ويُصَدِّقُ هذا ما يَتلوها: فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. الكَلِمةُ تُسَمّي وَظيفةً، والوَظيفةُ تَنتَظِرُ مَن يَأخُذُها. والسِّراجُ المَوضوعُ لا يُضيءُ إلّا لِمَن فَتَحَ عَينَه.


حَصيلة

ثَلاثُ كَلِماتٍ تَقطَعُ ثُمَّ تُثبِت. «كَلَّا» تَكُفُّ المَيلَ الذي وَصَفَته الآياتُ قَبلَها فتُفرِغُ المَجرى، ولا تُجادِلُ ولا تُطيل. ثُمَّ «إنَّها»: ضَميرٌ مُؤَنَّثٌ مُؤَكَّدٌ يَنزِلُ بِلا اسمٍ يُفَسِّرُه في اللَّفظ، فيَقَعُ التَّوكيدُ على وَصفٍ لا على تَعيين. ثُمَّ «تَذكِرة»، والجِذرُ ذ-ك-ر إمساكٌ حادٌّ بِالمَعنى يَجري ولا يَنقَطِع، والوَزنُ تَفعِلة يَجعَلُها أداةً تُذَكِّرُ غَيرَها لا ذِكرى قائِمةً بِنَفسِها، والتَّنكيرُ يَرفَعُ عنها الحَدَّ والعَدَد. فالآيةُ تُوقِفُ حَرَكةً ثُمَّ تَضَعُ مَكانَها وَظيفة، وتَترُكُ الاسمَ لِمَن شاءَ أن يَسأَلَ عنه. وما يُذَكِّرُ لا يُعَرَّفُ بِاسمِه بل بِما يَفعَلُه بِمَن مَرَّ بِه.