المطففين · الآية 16

﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ

«ثُمَّ»: تَرتيبٌ فيه تَراخٍ

لم تَقُلِ الآيةُ «وإنَّهُم» فتَجمَعَ الحالَينِ في نَفَسٍ واحِد، ولا «فإنَّهُم» فتُلصِقَ الثانِيَ بِالأوَّل. جاءَت بِأداةِ التَّراخي، فبَينَ الحَجبِ والنّارِ مَسافةٌ في الرُّتبةِ لا يَملَؤُها كَلام. وتَعودُ «ثُمَّ» في الآيةِ التّالِيَة، فتَصيرُ المَنازِلُ ثَلاثاً: حَجبٌ، ثُمَّ نارٌ، ثُمَّ قَول.

«لَصَالُو»: اسمُ فاعِلٍ بَعدَ اسمِ مَفعول

كانوا في الآيةِ قَبلَها «لَّمَحْجُوبُونَ»، اسمَ مَفعولٍ يَقَعُ بِهِمُ الفِعلُ ولا يَصدُرُ عنهُم. وهاهُنا «لَصَالُو»، اسمُ فاعِلٍ يَصدُرُ عنهُمُ الفِعل. فالصيغةُ تَنقَلِبُ عِندَ النّارِ بِعَينِها: مُنِعوا وهُم واقِعٌ بِهِمُ المَنع، ويَرِدونَ وهُم وارِدون.

والصَّلْيُ في حُروفِه مُلامَسةٌ لازِمةٌ تَنفُذُ حَرارَتُها في المُلامَسِ ثُمَّ تَمتَدُّ في الزَّمَن، ومنه «صَلى الشّاةَ» إذا أنضَجَها في عُمقِها لا في ظاهِرِها. ونونُ الجَمعِ محذوفةٌ لِلإضافة: «لَصَالُو الْجَحِيمِ» لا «لَصالونَ الجَحيم». حَتّى الحَرفُ الفاصِلُ بَينَ الوارِدِ ومَورِدِه يَسقُط.

«الْجَحِيمِ»: نارٌ تُعرَفُ بِاجتِماعِها لا بِلَهَبِها

لم تُوصَفِ النّارُ بِلَونٍ ولا بِسَعَةٍ ولا بِارتِفاع. سُمِّيَت «الْجَحِيمِ»، والجَحيمُ في حُروفِه تَكَتُّلٌ يَجري مُحتَكّاً في مَضيقٍ فيَتَّقِدُ ولا يَنفُذ، ثُمَّ يُضَمُّ فيَصيرُ كُتلةً مُتَلاصِقة. فهي مَعروفةٌ بِاحتِباسِها قَبلَ أن تُعرَفَ بِحَرِّها. وألِفُ اللّامِ فيها لِلعَهدِ: نارٌ سَبَقَ في الخِطابِ عِلمُها، لا نارٌ تُعَرَّفُ الآن.

وهاهُنا يَستَقيمُ الخَيط. غِشاءٌ يَحبِسُ القَلبَ تَحتَه، ثُمَّ حاجِزٌ يَحبِسُهُم دونَ رَبِّهِم، ثُمَّ نارٌ حَدُّها أنَّها تَحبِسُ ما فيها. ثَلاثةُ مَحابِسَ في ثَلاثِ آيات، وآخِرُها لا غِطاءَ فَوقَه بَل جَوفٌ يُدخَلُ فيه.


حَصيلة

«ثُمَّ» تُرَتِّبُ وتُرخي، فبَينَ الحَجبِ والنّارِ مَسافةٌ في الرُّتبة. ثُمَّ تَنقَلِبُ الصيغة: كانوا «لَّمَحْجُوبُونَ» يَقَعُ بِهِمُ الفِعل، ثُمَّ صاروا «لَصَالُو» يَصدُرُ عنهُم، والصَّلْيُ مُلامَسةٌ لازِمةٌ تَنفُذُ حَرارَتُها في المُلامَسِ وتَمتَدُّ في الزَّمَن. ونونُ الجَمعِ تَسقُطُ لِلإضافة، فلا يَبقى بَينَ الوارِدِ ومَورِدِه حَرف. والنّارُ لم تُوصَفْ بِلَهَبٍ بَل سُمِّيَت «الْجَحِيمِ»، وهو في حُروفِه ما تَكَتَّلَ فاحتَبَسَ فاتَّقَد. فتَجتَمِعُ في ثَلاثِ آياتٍ ثَلاثةُ مَحابِس: طَبَقةٌ فَوقَ القَلب، وحاجِزٌ دونَ الرَّبّ، ثُمَّ جَوفٌ لا يُغَطّي مِن فَوقُ بَل يُدخَلُ فيه.