المطففين · الآية 17

﴿ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ

«ثُمَّ يُقَالُ»: فِعلٌ بِلا قائِلٍ مُسَمًّى

الفِعلُ مَبنِيٌّ لِلمَجهول. «يُقَالُ» ولا يُسَمّى القائِل. وقَد سَمَّتِ السّورةُ قائِلاً قَبلَ أربَعِ آيات: قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، فالجِذرُ نَفسُه وَرَدَ هُناكَ صادِراً عنهُم، ووَرَدَ هاهُنا واقِعاً عَلَيهِم. مَن نَطَقَ صارَ مَن يُنطَقُ إلَيه.

والقَولُ في حُروفِه صَوتٌ يُطلَقُ مَوصولاً فيَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ سامِعاً، فهو لا يَتِمُّ إلّا بِطَرَفَين. وقد قيلَ قَبلَ آيَتَينِ إنَّهُم «لَّمَحْجُوبُونَ»، ثُمَّ يَبلُغُهُم قَولٌ هاهُنا. الحاجِزُ قائِمٌ في جِهَتِه، والصَّوتُ يَعبُر.

«هَٰذَا»: إشارةٌ إلى حاضِرٍ بَعدَ إنكارِ غائِب

«هَٰذَا» إشارةٌ إلى قَريبٍ مَشهود. والتَّكذيبُ إنَّما يَقَعُ على ما لم يُعايَن: يُنكِرُ المَرءُ ما لَيسَ بَينَ يَدَيه. فحينَ يُقالُ «هَٰذَا» تَسقُطُ المَسافةُ التي كانَ الإنكارُ يَقومُ عَلَيها. لم يُقَمْ عَلَيهِم دَليلٌ يُحاجُّهُم، وإنَّما وُضِعَ المُنكَرُ بَينَ أيديهِم.

ثُمَّ «الَّذِي»، وهو اسمٌ مَوصولٌ لا يُبَيِّنُ بِنَفسِه، إنَّما تُبَيِّنُه صِلَتُه. وصِلَتُه هُنا فِعلُهُم هُم: «كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ». فالماثِلُ أمامَهُم لا يُعَرَّفُ بِاسمٍ لَه ولا بِوَصفٍ فيه، بَل بِأنَّه الذي كَذَّبوه. سُمِّيَ الشَّيءُ بِإنكارِهِم إيّاه.

«كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ»: الخِطابُ يَحضُر، والمُنكَرُ يُقَدَّم

وهُنا يَنقَلِبُ الضَّمير. كانَ الكَلامُ عنهُم غائِبينَ منذُ ثَلاثِ آيات: «قُلُوبِهِم»، «إِنَّهُمْ»، «عَن رَّبِّهِمْ»، «إِنَّهُمْ». ثُمَّ يَجيءُ «كُنتُم». ويَقَعُ هذا الالتِفاتُ في مَوضِعِ القَولِ بِعَينِه، لا قَبلَه ولا بَعدَه. ما دامَ الخَبَرُ عنهُم فهُم غُيَّب، فإذا صارَ القَولُ إلَيهِم صاروا حاضِرين.

وتَقَدَّمَ «بِهِ» على الفِعل. لم يَقُلْ «كُنتُم تُكَذِّبونَ بِه»، بَل وَضَعَ المُنكَرَ قَبلَ الإنكارِ فأمسَكَه في العَين، وهي الباءُ نَفسُها التي جاءَت في السّورة: وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾. والتَّكذيبُ في حُروفِه إخراجُ ظاهِرٍ يُخالِفُ ما كُتِمَ في الباطِن، وصيغةُ فَعَّلَ فيه تَصييرُ الشَّيءِ كَذِباً لا الكَذِبُ في النَّفس. و«كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ» عادةٌ مُتَّصِلةٌ كَما كانَ الكَسبُ عادةً مُتَّصِلة. الغِطاءُ تَراكَمَ بِالتَّكرار، والإنكارُ كَذلك.


حَصيلة

«ثُمَّ» ثانِيَةً، ودَرَجةٌ ثالِثة. والفِعلُ مَبنِيٌّ لِلمَجهول: «يُقَالُ» ولا يُسَمّى القائِل، والجِذرُ الذي صَدَرَ عنهُم في «قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ» يَعودُ واقِعاً عَلَيهِم. والقَولُ صَوتٌ يُطلَقُ فيَمتَدُّ إلى سامِع، فهو يَبلُغُهُم والحاجِزُ قائِمٌ في جِهَتِه. ثُمَّ «هَٰذَا» إشارةٌ إلى حاضِرٍ مَشهود، فتَسقُطُ المَسافةُ التي كانَ الإنكارُ يَقومُ عَلَيها. و«الَّذِي» لا يُبَيِّنُه إلّا صِلَتُه، وصِلَتُه فِعلُهُم: سُمِّيَ الشَّيءُ بِإنكارِهِم إيّاه. ثُمَّ يَنقَلِبُ الضَّميرُ إلى الخِطابِ عِندَ القَولِ نَفسِه: «كُنتُم». وتَقَدَّمَ «بِهِ» على الفِعلِ فأُمسِكَ المُنكَرُ في العَينِ قَبلَ أن يُذكَرَ الإنكار. ما تَراكَمَ حتّى غَطّى، يُواجَهُ آخِرَ الأمرِ بِما كانَ يُنكَرُ ماثِلاً بَينَ يَدَيه.