البروج · الآية 10

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ

«فتنوا»: البلاءُ الذي يُدخَلُ فيه من الخارج

«فتنوا» من ف-ت-ن، وأصلُه إدخالُ الذهبِ في النار لتمييزِه أو تشويهه، فالفتنةُ أذىً وإخضاعٌ لتجربةٍ قسريّة جميعاً، ووضعٌ في موضعِ الاختبار الشديد. وقد جعلت الآيةُ الفعلَ موجَّهاً إلى أهلِ الأمن، اختباراً قسريّاً أُلزموا به، فجاءت الكلمةُ تصفُ فاعليه: فتنوا.

و«المؤمنين والمؤمنات» توسّعٌ على ما سبق في الآية السابعة، فقد أضافت السورةُ المؤمناتِ هنا لتُغلقَ كلَّ باب، إذ الفعلُ وقعَ على الجنسَين، والأمنُ الذي في قلوبِ هؤلاء لا يُفرّقُ بين ذكرٍ وأنثى، وكذلك لم يُفرّق الفعلُ الذي وقعَ عليهم.

«ثمّ لم يتوبوا»: الباب المفتوح الذي لم يُطرَق

و«ثمّ» تُقرّبُ المسافة بين الفعل والإمكانيّة الضائعة. والتوبةُ من ت-و-ب رجوعٌ إلى موضعٍ كان، والراجعُ يعودُ بخطوةٍ يُكسرُ فيها اتجاهُ المضيّ، ولو فعلوا لوقفت الآيةُ هنا، غيرَ أنّهم لم يفعلوا، فجاءت «ثمّ» لتُمسكَ تلك اللحظةَ الضائعة في مكانها.

وبهذا جاءت «فلهم» نتيجةً منطقيّة، لا عقوبةً مباغتة، والفاءُ للسببيّة، فلأنّهم فعلوا ولم يرجعوا كان لهم ما يلي، ولا فجوةَ بين الفعل والجزاء في هذا التركيب.

«عذابُ جهنّم وعذابُ الحريق»: عذابان مُسمَّيَان

وتذكرُ الآيةُ عذابَين بدلَ واحد. فـ«جهنّم» اسمٌ يحملُ في جسده جيمَ التجمّع والعمق، وهاءَ النَّفَس الداخليّ، ونونَ النفوذ، وميمَ الإغلاق، فهو عمقٌ يَحبسُ النَّفَسَ ويُحيط، ثمّ يُضافُ إليه «عذابُ الحريق»، وهو الحرقُ الناجزُ الكاملُ من ح-ر-ق، كأنّ الآيةَ تجعلُ جانباً يتعلّقُ بالعمق والإحاطة، وجانباً يتعلّقُ بالإحراقِ الذي يمسُّ الجسدَ مباشرة. والنارُ التي فتنوا بها وجدوا مثلَها في الانتظار، غيرَ أنّ هذه لا تنطفئ.


حَصيلة

انتقلت السورةُ من الوصف إلى الحُكم: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. و«فتنوا» من -ف-ت-ن- إدخالٌ قسريٌّ في محكٍّ شديد، كما يُدخَلُ الذهبُ في النار، والفعلُ موجَّهٌ إلى «المؤمنين والمؤمنات» ذكوراً وإناثاً، فلا تُبقي الآيةُ باباً لاستثناء. وأثقلُ ما فيها «ثمّ لم يتوبوا»، فـ«ثمّ» تُشيرُ إلى فسحةٍ من الزمن أعقبَت الفعلَ ولم تُستغَلّ، والتوبةُ من -ت-و-ب- رجوعٌ إلى موضعٍ كان، وقد ظلَّ بابُها مفتوحاً فلم يُطرَق. ومحلُّ الحكم هذا التوليفُ، دون الفعلِ منفرداً، أي فعلٌ أُمضي مع إغلاقِ باب الرجوع. والجزاءُ مضاعف: عذابُ جهنّم بعمقها وإحاطتها، وعذابُ الحريق من -ح-ر-ق- بما يمسُّ الجسدَ مباشرة، والنارُ التي فتنوا بها وجدوا صورتَها منتظرةً، غيرَ أنّ هذه لا ينطفئُ وقودُها.