الفجر · الآية 14

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ

«إِنَّ ... لَ»: تَوكيدٌ مُضاعَفٌ يُثَبِّتُ الخَبَر

تَجتَمِعُ في الآيةِ أداتانِ مِن أدَواتِ التَّثبيت: «إنَّ» في صَدرِها، واللامُ المُزَحلَقةُ في خَبَرِها «لَبِالمِرصاد». ومَجيءُ المُؤَكِّدَينِ مَعاً يَرفَعُ الخَبَرَ عن مَرتبَةِ الإخبارِ المُجَرَّدِ إلى مَرتبَةِ الحُكمِ المَقطوعِ به، فلا يُتركُ لِلسامِعِ بابٌ لِلظَّنِّ أنَّ الأمرَ مُحتَمَلٌ أو مُؤَجَّل.

وهذا التَّثبيتُ يَأتي بَعدَ ذِكرِ قُوًى عَتَتْ في الأرضِ فطَغَتْ، وما كانَ يَبدو أنَّها بلَغَتْ ما لا يُدرَك. فالآيةُ تَقطَعُ هذا الظَّنَّ قَطعاً: ما مِن طاغٍ بَلَغَ ما يَخرُجُ به عن مَوضِعٍ هو فيه مَرصودٌ مُحاطٌ به.

«رَبَّكَ»: المُربّي القائِمُ على أمرِ مَن يَلي

الجِذرُ ر-ب-ب يَدورُ على القِيامِ على الشَّيءِ بِالحِفظِ والتَّنميةِ والتَّدبير. فالرَّبُّ هو القائِمُ على مَن دونَه يَسوسُ أمرَه ويُبَلِّغُه طَورَه، يُربّيه حالاً بَعدَ حال. وفي إضافَتِه إلى الكافِ «رَبَّكَ» قُربٌ لا يُفارِق: ليس رَبّاً غائِباً بل رَبٌّ مُتَّصِلٌ بِمَن يُخاطَب، قائِمٌ على أمرِه عَن كَثَب.

وفي وَضعِ «رَبَّكَ» مَوضِعَ الرَّقيبِ مَعنىً دَقيق: الذي يَرعى هو نَفسُه الذي يَرصُد. فالرِّعايةُ والمُراقَبةُ وَجهانِ لِقِيامٍ واحِدٍ على المَربوب، لا يَنفَكُّ حِفظُه عن عِلمِه بِما يَكون.

«لَبِالْمِرْصَادِ»: مَوضِعٌ لا يَفوتُه المارّ

المِرصادُ من ر-ص-د، وهو على وَزنِ المِفعالِ الدّالِّ على المَوضِعِ أو الآلَة: المَكانُ الذي يُترَصَّدُ منه، يَقِفُ فيه الرّاصِدُ على ثَنِيَّةِ الطَّريقِ فلا يَجوزُ به مارٌّ إلّا أُحصِيَ ووَقَعَ في النَّظَر. والرَّصدُ تَهَيُّؤٌ لِمُراقَبَةِ مَجازٍ بِعَينِه، حَيثُ يَنحَصِرُ السائِرُ في مَمَرٍّ واحِدٍ لا مَفَرَّ منه.

فالبَاءُ في «بِالمِرصاد» باءُ المُلابَسةِ والاستِقرار: الرَّبُّ قائِمٌ على هذا المَوضِعِ الذي يَنتَهي إليه كلُّ سائِر. والصّورةُ تَجعَلُ كلَّ مَن مَرَّ، مُحسِناً أو طاغِياً، واقِعاً في مَجازٍ مَرصودٍ لا يَنفُذُ منه أحَدٌ إلى خارِجِ النَّظَر.


حَصيلة

تُثَبِّتُ الآيةُ بِمُؤَكِّدَينِ، «إنَّ» واللامِ، حُكماً مَقطوعاً به بَعدَ ذِكرِ قُوًى طَغَتْ فظَنَّتْ أنَّها بَلَغَتْ ما لا يُدرَك. «رَبَّكَ» من ر-ب-ب: القائِمُ على المَربوبِ بِالحِفظِ والتَّدبيرِ عَن قُرب، وهو نَفسُه الرّاصِد، فالرِّعايةُ والمُراقَبةُ قِيامٌ واحِد. و«المِرصاد» من ر-ص-د: مَوضِعُ التَّرَصُّدِ على ثَنِيَّةِ الطَّريقِ حَيثُ يَنحَصِرُ المارّ فلا يَفوت. فالآيةُ تَقطَعُ بِأنَّ كلَّ سائِرٍ، مُحسِناً أو طاغِياً، يَنتَهي إلى مَمَرٍّ واحِدٍ رَبُّه عليه قائِمٌ مُحيطٌ، لا يَنفُذُ منه أحَدٌ إلى خارِجِ النَّظَرِ والحِساب.