الفجر · الآية 15
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَأَمَّا الإنسانُ»: تَفصيلٌ يَبدَأُ بِالجِنسِ كلِّه
تَنتَقِلُ الآيةُ بِـ«فأمّا» من المَشهَدِ السابِقِ إلى تَفصيلٍ في حالِ المُخاطَب. و«أمّا» أداةٌ تُفصِّلُ: تَأخُذُ بابَ القَولِ فتُعَلِّقُه ثُمَّ تَرُدُّه بِفاءِ الجَوابِ مَحسوماً. والمُفَصَّلُ هنا ليس فَرداً بِعَينِه بل «الإنسان»، الجِنسُ كلُّه يُقالُ فيه حُكمٌ واحِد. والإنسانُ من ء-ن-س: المَأنوسُ الظاهِرُ الذي يُؤنَسُ به ويُبصَر، الكائِنُ الذي يَأنَسُ ويَنسى.
فَوَضعُ الجِنسِ في صَدرِ التَّفصيلِ يَقولُ إنَّ ما سَيُذكَرُ ليس نادِرةً في واحِد، بل خَصلةٌ تَجري في الطَّبعِ العامّ. والآيةُ التاليةُ تُقابِلُها بِـ«وأمّا» أُخرى، فالكلامُ مَبنيٌّ على وَجهَين من حالِ النَّفسِ نَفسِها أمامَ ما يَنزِلُ بها.
«ابتَلاهُ رَبُّهُ»: اختِبارٌ مِن مالِكِ الأمر
الجِذرُ ب-ل-و يَدورُ على الاختِبارِ الذي يُظهِرُ ما في باطِنِ الشَّيء. والبَلاءُ امتِحانٌ يَكشِفُ المَخبوءَ، يَنزِلُ بِالضِّيقِ كما يَنزِلُ بِالسَّعَة، فكِلاهُما يَبتَلي. والذي يَبتَلي هنا هو «رَبُّه»، من ر-ب-ب: المالِكُ المُدَبِّرُ الذي يُرَبّي مَملوكَه ويَسوسُه إلى تَمامِه. فالاختِبارُ ليس صُدفةً تَعرِضُ، بل تَدبيرٌ من جِهةِ مَن يَملِكُ ويُرَبّي.
والمَوضِعُ دَقيقٌ: العَطاءُ الذي يَلي ابتِلاءٌ، لا جَزاءٌ مَفروغٌ منه. فحينَ يُكرِمُ الرَّبُّ ويُنَعِّمُ، فهو يَبتَلي بِالإكرامِ كما يَبتَلي غَيرَه بِالمَنع. والآيةُ تَجعَلُ النِّعمةَ نَفسَها بَلاءً يَكشِفُ القَلب، لا شَهادةً على رِضىً سابِق.
«فَأَكرَمَهُ ونَعَّمَهُ»: عَطاءٌ يُلَيِّنُ العَيش
الإكرامُ من ك-ر-م: بَذلُ النَّفيسِ بِسَخاءٍ يَرفَعُ قَدرَ المُكرَم. والتَّنعيمُ من ن-ع-م: تَليينُ العَيشِ ودَفعُ الخُشونةِ عنه حتّى يَرِقَّ ويَطيب. فالعَطاءُ المَذكورُ وَجهان: رِفعةُ القَدرِ، ولينُ الحال. وكِلاهُما داخِلٌ في الابتِلاءِ المُتَقَدِّم، فالفاءُ في «فأكرَمَه» تَرُدُّ الإكرامَ إلى الابتِلاءِ رَدَّ التَّفصيلِ على المُجمَل.
وتَشديدُ العَينِ في «نَعَّمَه» يُكَثِّرُ الفِعلَ ويُتابِعُه: تَنعيمٌ بَعدَ تَنعيمٍ حتّى تَلينَ كلُّ جِهةٍ من العَيش. وكُلَّما زادَ اللينُ زادَ مَوضِعُ الاختِبارِ ثِقَلاً، إذ يَسهُلُ على النَّفسِ أن تَحسَبَ الرَّخاءَ حَقّاً لها، فتَغفُلَ عن جِهةِ مَن أرخى.
«فَيَقولُ رَبّي أَكرَمَنِ»: قَولٌ يُصيبُ الكَلِمةَ ويُخطِئُ المَعنى
فاءُ «فيَقول» تَجعَلُ القَولَ ثَمرةً عاجِلةً للنِّعمة. والقائِلُ يَقولُ كَلِمةً صادِقةً في ظاهِرِها: «رَبّي أكرَمَن»، يَنسُبُ الإكرامَ إلى رَبِّه ويُقِرُّ بِه. لكنَّ العِلّةَ في فَهمِه: قَرَأَ الإكرامَ شَهادةَ تَفضيلٍ وعُلُوَّ مَنزِلةٍ، ولم يَقرَأهُ ابتِلاءً يُسألُ عنه. فالكَلِمةُ تُصيبُ النِّسبةَ وتُخطِئُ القَصد.
وتَكرارُ «أكرَمَ» في الآيةِ مَقصود: «فأكرَمَه» فِعلُ الرَّبّ، و«أكرَمَن» قَولُ العَبدِ عنه. فالعَبدُ رَدَّ اللفظَ كما وَرَدَ، لكنَّه أسقَطَ منه «إذا ما ابتَلاه». حُذِفَ الابتِلاءُ من فَهمِ القائِلِ فبَقِيَ الإكرامُ وَحدَه عِندَه دَليلاً، وهذا مَوضِعُ الخَلَلِ الذي تُقَوِّمُه الآياتُ بَعدَها.
حَصيلة
تُفَصِّلُ الآيةُ بِـ«فأمّا» حالاً يَجري في «الإنسان» جِنساً لا فَرداً: إذا ابتَلاهُ رَبُّه (ب-ل-و: اختِبارٌ يَكشِفُ الباطِن، من جِهةِ المالِكِ المُرَبّي) فأكرَمَه (ك-ر-م: رِفعةُ قَدرٍ بِبَذلٍ) ونَعَّمَه (ن-ع-م: تَليينُ عَيشٍ مُتَتابِع)، قابَلَ النِّعمةَ بِقَولٍ يُصيبُ النِّسبةَ ويُخطِئُ القَصد: «رَبّي أكرَمَن». نَسَبَ الإكرامَ إلى رَبِّه فأحسَنَ، لكنَّه قَرَأهُ تَفضيلاً مَفروغاً منه فأسقَطَ «إذا ما ابتَلاه». فالآيةُ تَكشِفُ خَصلةً في الطَّبعِ: قِراءةُ العَطاءِ شَهادةَ عُلُوٍّ لا اختِباراً، وهو الخَلَلُ الذي تَستَدرِكُه الآياتُ التاليةُ في وَجهِها الآخَر.