الفجر · الآية 13

﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ

«فَصَبَّ»: انصِبابٌ يَنزِلُ دَفعةً واحِدة

والفاءُ في صَدرِ الآيةِ لِلتَّعقيب، تَربِطُ النَّتيجةَ بِما قَبلَها رَبطاً سَريعاً لا فُرجةَ فيه، فقد تَقَدَّمَ ذِكرُ الطُّغيان، وجاءَ الجَزاءُ مَوصولاً بِه بِلا مُهلة. والفِعلُ «صَبَّ» من ص-ب-ب يَدُلُّ على إراقةِ الشَّيءِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفلٍ دَفعةً مُتَّصِلة، كَصَبِّ الماءِ يَنحَدِرُ فلا يَنقَطِع. وأوثِرَ «صَبَّ» على «أَنزَلَ» أو «أَرسَلَ»، فصارَ العَذابُ كأنَّه سائِلٌ يُراقُ مِن فَوقَ على رُؤوسٍ تَحتَه، يَغمُرُها ولا يَدَعُ لها مَنفَذاً.

وهذا الانصِبابُ يَأتي فُجاءةً مِن عُلُوٍّ، لا يُدافَعُ ولا يُرَدّ، ويَنزِلُ على القَومِ كما يَنزِلُ السَّيلُ على الوادي. فالصّيغةُ تَجعَلُ القُدرةَ في جانِبٍ والمُنصَبَّ عليه في جانِبٍ آخَرَ بَيِّن، فهُنا عالٍ يَصُبّ، وهُناكَ سافِلٌ يُصَبُّ عليه.

«رَبُّكَ»: المُربّي هو الذي يَصُبّ

والذي تَوَلّى الصَّبَّ «رَبُّكَ»، ومادّتُه ر-ب-ب، ومَدارُها على المِلكِ مَعَ التَّربيةِ والرِّعايةِ والإصلاح، فالرَّبُّ هو المالِكُ المُدَبِّرُ الذي يَسوسُ ما تَحتَ يَدِه ويُنَمّيه. وفي إسنادِ الصَّبِّ إلى هذا الاسمِ بِعَينِه نُكتة، وهي أنَّ الذي رَبّى وأمهَلَ وأرفَدَ بِالنِّعَمِ هو نَفسُه الذي صَبَّ العَذاب، فالعِنايةُ والمُؤاخَذةُ من مَصدَرٍ واحِد.

وأُضيفَ الرَّبُّ إلى كافِ الخِطابِ في «رَبُّكَ»، فتَوَجَّهَ المَشهَدُ إلى المُخاطَبِ نَفسِه، إذ ما صُبَّ على الطّاغينَ صَبَّه رَبٌّ هو رَبُّ المُخاطَبِ أيضاً. فالقُدرةُ التي أنزَلَت بِهِم ما أنزَلَت قائِمةٌ حاضِرة، والخِطابُ فيما يَلي يَنتَقِلُ من شاهِدِ الماضي إلى مَرصَدِ الحاضِر.

«سَوْطَ عَذابٍ»: ضَربةٌ تَلسَعُ لا تُهلِكُ وَحدَها

و«السَّوطُ» من س-و-ط أداةٌ تُضرَبُ بها فتَلسَعُ وتُؤلِمُ مِن غَيرِ أن تَقطَع، وأصلُ المادّةِ خَلطُ الشَّيءِ بِالشَّيءِ وتَقليبُه حتّى يَختَلِط، ومِنه «ساطَ القِدرَ» إذا قَلَّبَ ما فيها. والسَّوطُ في يَدِ الضّارِبِ يَتَلَوّى ويَنالُ بِطَرَفِه، فهو ضَربٌ مُتَكَرِّرٌ لاذِع، لا ضَربةٌ واحِدةٌ قاضِية. وإضافَتُه إلى «عَذابٍ» تَجعَلُه سَوطاً مَخصوصاً قِوامُه العَذاب، غَيرَ الجِنسِ المَعهودِ من السِّياط.

و«العَذابُ» من ع-ذ-ب، وهو دالٌّ على المَنعِ والحَبسِ المُؤلِم، عَذَّبَه إذا مَنَعَه ما يَشتَهي وحَبَسَه في ضيق. فاجتِماعُ «سَوطٍ» يَلسَعُ مَعَ «عَذابٍ» يَحبِسُ يُصَوِّرُ نَكالاً يُلِحُّ ولا يُفلِت، هو لَسعٌ مُتَوالٍ في حَبسٍ لا فِكاكَ مِنه. والتَّنكيرُ في «عَذابٍ» يُبقي قَدرَه مُبهَماً مَهولاً لا يُحَدُّ مَداه.


حَصيلة

تَربِطُ الفاءُ الجَزاءَ بِالطُّغيانِ المُتَقَدِّمِ رَبطاً بِلا مُهلة، ثُمَّ يَأتي الفِعلُ «صَبَّ» (ص-ب-ب) فيُصَوِّرُ العَذابَ سائِلاً يُراقُ مِن عُلُوٍّ دَفعةً تَغمُرُ ولا تَدَعُ مَنفَذاً. والذي تَوَلّى الصَّبَّ «رَبُّكَ» (ر-ب-ب)، وهو المالِكُ المُربّي، فالعِنايةُ والمُؤاخَذةُ من مَصدَرٍ واحِد، وكافُ الخِطابِ تَنقُلُ القُدرةَ من ماضي القَومِ إلى حاضِرِ المُخاطَب. والمَصبوبُ «سَوطُ عَذابٍ»، والسَّوطُ (س-و-ط) يَلسَعُ مُتَوالِياً، والعَذابُ (ع-ذ-ب) يَحبِسُ في ضيق، فاجتَمَعَ اللَّسعُ والحَبسُ نَكالاً يُلِحُّ ولا يُفلِت، وأبقى التَّنكيرُ مَداه مَهولاً غَيرَ مَحدود.