الفجر · الآية 28

﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً

«ارْجِعي»: أمرٌ بِعَودٍ إلى مَبدَإ

الجِذرُ ر-ج-ع يَدورُ على العَودِ إلى ما كان: رَجَعَ السائِرُ إذا آبَ من حَيثُ خَرَج، والرَّجعُ ما يَرتَدُّ بَعدَ ذَهاب. والصيغةُ هنا أمرٌ مُؤَنَّثٌ مُوَجَّهٌ إلى مُخاطَبةٍ سَبَقَ ذِكرُها: نَفسٌ نُودِيَت. والأمرُ بِالرُّجوعِ يَفتَرِضُ مَوضِعاً أوَّلَ صَدَرَت عنه، فالعَودُ لا يَكونُ إلى غَريب، بل إلى الأصلِ الذي منه كان الابتِداء.

فالنِّداءُ لا يَدفَعُ النَّفسَ إلى المَجهول، بل يَرُدُّها إلى المَعلوم: «ارجِعي» تَقولُ إنَّ الطَّريقَ دائِرةٌ تُغلَقُ عند المُبتَدَإ، وإنَّ العَودَ غايةٌ لا طُرود. ومَن تَأمَّلَ الأمرَ عَرَفَ أنَّه دَعوةٌ لا زَجر: العائِدُ مَطلوبٌ لا مَنبوذ.

«إلى رَبِّكِ»: الجِهةُ التي يُعادُ إليها

«إلى» تَنصِبُ غايةَ الرُّجوع، فالعَودُ مَوصولٌ بِمُنتَهىً مَعلوم. والرَّبُّ من ر-ب-ب: المالِكُ المُدَبِّرُ الذي يُرَبّي ويَسوسُ ويَجمَعُ أمرَ المَربوبِ في يَدِه. ولذلك جاءَت الإضافةُ «رَبِّكِ» بِالكافِ: لا رَبٌّ عامّ، بل رَبٌّ مَنسوبٌ إلى هذه النَّفسِ بِعَينِها، الذي رَبّاها ومَلَكَ أمرَها.

فالرُّجوعُ المَأمورُ به عَودٌ إلى مَن كان مالِكاً مُدَبِّراً من قَبل، لا انتِقالٌ إلى سُلطانٍ طارِئ. وهذا يَصِلُ العَودَ بِالابتِداء: الجِهةُ التي يُعادُ إليها هي الجِهةُ التي منها كان النَّشء. فالأمرُ «ارجِعي إلى رَبِّكِ» يُطبِقُ آخِرَ الطَّريقِ على أوَّلِه.

«راضِيَةً مَرضِيَّةً»: حالٌ مُزدَوِجٌ يَتِمُّ بِالطَّرَفَين

الجِذرُ ر-ض-و يَدورُ على القَبولِ الذي تَسكُنُ إليه النَّفسُ فلا تَطلُبُ سِواه. و«راضِيَةً» اسمُ فاعِلٍ: النَّفسُ قابِلةٌ راضِيَةٌ بِما صارَت إليه. و«مَرضِيَّةً» اسمُ مَفعولٍ: النَّفسُ مَقبولةٌ مَرضِيٌّ عنها من جِهةِ مَن عادَت إليه. فالكَلِمَتانِ من أصلٍ واحِدٍ، بِناءٌ فاعِلٌ وبِناءٌ مَفعول، يَلتَقِيانِ على هذه النَّفسِ في آن.

والقَبولُ هنا ذو طَرَفَين لا يَتِمُّ بِأحَدِهِما: رِضاً صادِرٌ من النَّفسِ، ورِضاً واقِعٌ عليها. فلا يَكفي أن تَرضى وحدَها، ولا أن يُرضى عنها وهي ساخِطة، بل يَجتَمِعُ الطَّرَفانِ فيَكتَمِلُ القَبول. وهذا الاكتِمالُ هو الذي يُجيزُ الأمرَ بِالرُّجوع: لا تُؤمَرُ بِالعَودِ إلا نَفسٌ تَمَّ فيها الرِّضا من جِهَتَيه.


حَصيلة

نِداءٌ يَأمُرُ النَّفسَ بِالعَود: «ارجِعي» من ر-ج-ع، أوبةٌ إلى أصلٍ صَدَرَت عنه، دَعوةٌ لا طُرود. والجِهةُ «إلى رَبِّكِ» من ر-ب-ب: المالِكُ المُدَبِّرُ المَنسوبُ إلى هذه النَّفسِ بِالكاف، فالعَودُ يُطبِقُ آخِرَ الطَّريقِ على مَبدَإِه. والحالُ «راضِيَةً مَرضِيَّةً» من ر-ض-و: قَبولٌ ذو طَرَفَين، رِضاً يَصدُرُ من النَّفسِ ورِضاً يَقَعُ عليها، يَلتَقي فيهِما بِناءُ الفاعِلِ وبِناءُ المَفعولِ على نَفسٍ واحِدة. فالآيةُ تَجمَعُ العَودَ والجِهةَ واكتِمالَ الرِّضا في أمرٍ واحِد: نَفسٌ تَمَّ قَبولُها فأُذِنَ لها أن تَؤوبَ إلى مَن منه كانَت.