البلد · الآية 20

﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ

«عَلَيْهِم»: ظَرفٌ يُطبِقُ مِن فَوق

تَبدَأُ الآيةُ بِالظَّرفِ «عَلَيهِم» مُقَدَّماً على ما بَعدَه. والتَّقديمُ هنا لَيسَ زينةً في النَّظم، بل يَجعَلُ العُلُوَّ أوّلَ ما يَقَعُ في الأُذُن: لا يُقالُ أوّلاً «نارٌ» ثُمَّ يُلتَمَسُ لها مَوضِع، بل يُثبَتُ المَوضِعُ أوّلاً فَوقَ رُؤوسِهم، ثُمَّ تَنزِلُ النّارُ إليه. فالضَّميرُ «هُم» راجِعٌ إلى مَن سَبَقَ ذِكرُهم، والذينَ لم يَقتَحِموا العَقَبةَ ولم يَسلُكوا طَريقَ الصُّعود.

و«على» تُفيدُ الاستِعلاءَ والإحاطةَ من فَوق، فَهيَ تَجعَلُ النّارَ مُطبِقةً عليهم لا مُجاوِرةً لهم. ومَن وَقَفَ عند هذا الحَرفِ وَحدَه أدرَكَ أنَّ الجَزاءَ لم يُوضَع بِجانِبِهم لِيَختاروا الدُّخولَ أو الفِرار، بل صار سَقفاً فَوقَهم. فالظَّرفُ يُمَهِّدُ لِما بَعدَه: ما دامَ فَوقَهم فلا مَهرَبَ مِن تَحتِه.

«نارٌ»: لَهَبٌ يَنبَعِثُ ويَتَكَرَّر

الجِذرُ ن-و-ر يَدورُ على انبِعاثٍ يَصِلُ ويَتَكَرَّر. النّورُ ضِياءٌ يَنبَعِثُ فَيَصِلُ ما حَولَه، والنّارُ من هذا الأصلِ نَفسِه: لَهَبٌ يَتَوَلَّدُ ويَتَجَدَّدُ، يَنبَعِثُ بَعدَ انبِعاثٍ فلا يَخمُد. وتَنكيرُ «نارٌ» يُفيدُ التَّهويلَ والإبهام: نارٌ لا تُحَدُّ صِفَتُها، يُترَكُ أمرُها لِيَقَعَ في النَّفسِ أعظَمَ مِمّا لَو سُمّيَ لها قَدر.

والنّارُ في مَجرى السورةِ تُقابِلُ ما سَبَقَ: العَقَبةُ التي لم تُقتَحَم، وفَكُّ الرَّقَبةِ الذي لم يُفعَل، والإطعامُ في يَومِ المَسغَبةِ الذي لم يُبذَل. فمَن لم يَصعَد في الطَّريقِ الصّاعِد كانَ مَصيرُه لَهَباً صاعِداً عليه. والانبِعاثُ الذي في الجِذرِ يَجعَلُ النّارَ حالاً لا تَهدَأ، تَتَكَرَّرُ على أصحابِها بِلا فَترة.

«مُؤصَدةٌ»: إطباقٌ صُلبٌ مَقطوعُ المَنفَذ

«مُؤصَدةٌ» من ء-ص-د: الإصادُ هو الإطباقُ والإغلاقُ الصُّلب، يُقالُ «آصَدَ البابَ» إذا أطبَقَه وأحكَمَ سَدَّه. والصِّفةُ هنا تَصِفُ النّارَ نَفسَها: ليسَت نَاراً مَفتوحةً يُرجى لها بابٌ يُفتَح، بل نارٌ مُطبَقةٌ على أهلِها، مَسدودةٌ عليهم من كُلِّ جانِب. فالهَمزةُ قَطعٌ يَفصِل، والصّادُ صَلابةٌ تُطبِق، فاللَّفظُ في حُروفِه يَحمِلُ هَيئَةَ السَّدِّ المُحكَم.

وبهذا تَلتَقي الكَلِمتان: «نارٌ» تَنبَعِثُ ولا تَخمُد، و«مُؤصَدةٌ» تُطبِقُ ولا تُفتَح. فالنّارُ مُتَجَدِّدةٌ من داخِل، والبابُ مَقطوعٌ من خارِج. وهذا أبلَغُ ما يُقالُ في انقِطاعِ الرَّجاء: لَهَبٌ لا يَنطَفِئُ، وغِطاءٌ لا يَنكَشِف، فلا النّارُ تَهدَأُ ولا المَنفَذُ يُتاح.


حَصيلة

تُختَمُ السورةُ بِجَزاءٍ يُقَدَّمُ فيه الظَّرفُ «عَلَيهِم»، فَيُثبَتُ العُلُوُّ أوّلاً سَقفاً فَوقَ مَن لم يَقتَحِمِ العَقَبة. والنّارُ من ن-و-ر: انبِعاثٌ يَتَجَدَّدُ فلا يَخمُد، وتَنكيرُها تَهويلٌ يَترُكُ قَدرَها مُبهَماً ليَعظُمَ في النَّفس. و«مُؤصَدةٌ» من ء-ص-د: إطباقٌ صُلبٌ يَسُدُّ المَنفَذَ من كُلِّ جانِب، فالهَمزةُ قَطعٌ يَفصِلُ والصّادُ صَلابةٌ تُطبِق. فتَجتَمِعُ نارٌ تَنبَعِثُ من داخِل وغِطاءٌ يُطبِقُ من خارِج: لَهَبٌ لا يَهدَأُ ومَنفَذٌ لا يُفتَح، في مُقابَلةِ طَريقِ الصُّعودِ الذي عُرِضَ فلم يُسلَك.