الليل · الآية 13

﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ

«وإنَّ لَنا»: تَأكيدٌ بَعدَ تَأكيد

الواوُ هُنا عاطِفَةٌ تَجمَعُ الآيةَ السابِقَةَ بِالحاضِرَة. كأنَّهُما إعلانٌ واحِدٌ في جُملَتَين. «إنَّ عَلَينا لَلهُدى» / «وَإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى». التَّكرارُ مَقصود. التَّوكيدُ يَلتَقي فيهِما (إنّ ... لَ)، وَالضَّميرُ يَلتَقي (نا)، والمَوضوعُ يَلتَقي: ما يَتَعَلَّقُ بِالمُتَكَلِّمِ ومَوقِعِه.

وَ«اللام» في «لَنا» لامُ المِلكِ والاختِصاص. غَيرُ «اللام» في «لَلهُدى» التَّأكيديَّة. اللامُ الأُولى تَخصيصٌ، والثانيَةُ تَأكيدٌ. الكَلامُ يَلتَزِمُ بِنَفسِه نَوعاً مِن العَنايَةِ في كلِّ كَلِمَة.

«الآخِرَةَ والأُولى»: التَّقديمُ المَقصود

تَرتيبُ الكَلِمَتَين مَقصود. الزَّمَنُ يَجري مِن الأُولى إلى الآخِرَة (الدُّنيا أَوَّلاً، ثُمَّ الآخِرَة). لكنَّ النَّصَّ هُنا قَلَبَ التَّرتيب. لَنا الآخِرَة، ثُمَّ الأُولى. والتَّقديمُ يَكشِفُ مَوقِعَ المُتَكَلِّمِ: لا يَتَكَلَّمُ مِنَ الأُولى، بَل مِنَ الآخِرَة. والإنسانُ السائِرُ في الدُّنيا قَد يَنسى الآخِرَة. لكنَّ المُتَكَلِّمَ يَبدَأُ بِها لِيُذَكِّرَه أنَّها الأَوَّلُ في الحِسابِ، وَإن كانَت الثاني في التَّرتيبِ الزَّمَني.

وَفي اختيارِ صيغَتَي التَّأنيثِ نَمَطٌ تَكَرَّرَ في السورة. «الحُسنى، اليُسرى، العُسرى، الآخِرَة، الأُولى»، كلُّها صيغَةُ تَفضيلٍ مُؤَنَّثَة على وَزنِ فُعلى. السورةُ تَستَخدِمُ هذا النَّمَطَ لِلكَيانَاتِ الكُبرى المُجَرَّدَة. الغايَةُ المُؤَنَّثَة، التي تَستَقبِلُ الفِعلَ في نِهايَتِه. وَهُنا «الآخِرَة» (نِهايَةُ السَّعي) و«الأُولى» (بِدايَتُه) كِلتاهُما في صيغَةٍ واحِدَة.

«الأُولى» مِن جِذرِ «أَوَّل»

«الأُولى» مِنَ الجِذرِ أ-و-ل، وَهُوَ جِذرُ «أَوَّل» و«آل» (أي ما يَؤولُ إلَيه الشَّيءُ ويَنسِبُ نَفسَه إلَيه). الأُولى في العربيّةِ ليست مُجَرَّدَ «الأَوَّلِيَّة الزَّمَنيَّة»، بَل ما يَؤولُ إلَيه الشَّيءُ في أَوَّلِه. الدُّنيا في هذا اللِّسانِ هي «الأُولى» لِأنَّها المَوضِعُ الذي يَنسِبُ الإنسانُ نَفسَه إلَيه قَبلَ أَن يَؤولَ إلى ما بَعدِه.

وَالكَلِمَتانِ مَعاً «الآخِرَةُ والأُولى» تُحيطانِ بِكلِّ المَدارَين. لا مَوضِعَ لِلسَّعيِ خارِجَ هذا الإحاطَة. مَن سارَ في الأُولى يَؤولُ إلى الآخِرَة. وَكِلتاهُما في مِلكِ المُتَكَلِّم. ولا يَملِكُ السائِرُ مِنَ المَدارَين شَيئاً ولو ادَّعى الاستِغناء.

وَفي الكِتابِ يُذكَرُ هذا التَّوزيعُ في مَواضِعَ كَثيرَة. هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾. كَلِمَةٌ مُفرَدَةٌ تُحيطُ بِكلِّ ما يَتَخَيَّلُه الإنسانُ مِن زَمَن. وَهُنا في سورتِنا، التَّعبيرُ بِالمُؤَنَّث (الآخِرَةُ والأُولى) يَلتَقِطُ المَدارَين كَكَيانَين تَستَقبِلُ كلٌّ مِنهُما السائِر.

المَنطِقُ الذي تَفرِضُه الآيَتانِ مَعاً

الآيتانِ ١٢ و١٣ مَعاً تَكشِفانِ بِنيَةَ الكَلام. مَن يَملِكُ المَدارَين (الأُولى والآخِرَة) لا يُفلِتُه السائِرُ في أَيٍّ مِنهُما. وَمَن يَلتَزِمُ بِالهُدى لَن يَتَخَلَّفَ عَن الإشارَة. السائِرُ في طَريقِ العُسرى لا يَدَّعي أنَّه ضاعَ بِغَيرِ بَيِّنَة، ولا أنَّه فَرَّ مِن مُحاسَبَة. كِلاهُما مَفروغٌ مِنه: البَيانُ نَزَلَ، والمَلاذُ مَفقود.

وَفي الآياتِ التاليَة يَنزِلُ التَّحذيرُ المُحَسَّس: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى. مِنَ الإطارِ التَّجريديِّ (الهُدى، الآخِرَة، الأُولى) إلى الصورَةِ الحَيَّة (نارٌ تَلَظَّى). السورةُ تَنتَقِلُ مِن البِنيَةِ إلى المَنظَر، ثُمَّ إلى الصِّنفَين الذَّينِ يُواجِهانِ المَنظَر.


حَصيلة

التَّعَهُّدُ بالهُدى يَستَدعي تَعَهُّداً آخَر مُكمِّلاً. «وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى» بِنَفسِ التَّأكيد المُضاعَف. الجِذرُ أ-خ-ر: ما يَلحَقُ بَعدَ ما سَبَق. الجِذرُ أ-و-ل: ما بَدَأَ أوَّلاً. الزَّمَنانِ كِلاهُما في يَدِ مَن يَتَكَلَّم. الهُدى يَخرُجُ من ذاتٍ تَملِكُ المَدى الكامِل. ومَن يَملِكُ الآخِرَةَ والأُولى لا يُسألُ عَن جَزاءٍ إلّا مِنه.