الزلزلة · الآية 1

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا

«إذا» الظَّرفيّةُ التي لا يَتَخلَّفُ شَرطُها

«إذا» في العربيّةِ تَفتَرضُ وُقوعَ ما يَأتي بعدَها. هي ليست «إن» التي تَفتَحُ بابَ الاحتمال، بل ظَرفٌ يَنتظرُ. إذا طَلَعَت الشمسُ، إذا جاءَ الفجرُ. والآيةُ تَضعُ زِلزالَ الأرضِ في هذا المَوضع: لا «إن زُلزِلَت»، بل «إذا زُلزِلَت». اللحظةُ آتيَة، والقارئُ مَوضوعٌ على طريقِها.

وهذا الافتتاحُ يَتكرّرُ في القرآنِ كلَّما أُريدَ تَثبيتُ المَشهَدِ الأخير في الذِّهن: «إذا الشَّمسُ كُوِّرَت»، «إذا السَّماءُ انفَطَرَت». الزَّمنُ المُستقبلُ يُعامَلُ مُعامَلةَ ما قد وَقَع. ومَن قَرأَ بهذا الإصغاءِ وَجَد أنّ الكتابَ يُعيدُ تَرتيبَ علاقتِه بالزَّمن: ما تَحسَبُه بَعيداً قد دَخَلَ النَّحوُ ليَصِفَه قَريباً.

«زُلزِلَت»: المَجهولُ يَفتَحُ المَشهدَ من كلِّ جِهة

الفعلُ بُنيَ للمَفعولِ لا للفاعل. لم يُقَل مَن زَلزَل، فالأرضُ تَهتزُّ ولا تُسمّى اليَدُ التي تَهزُّها. وفي هذا حِكمة: الفاعلُ معروفٌ في القلب، لكنّ السكوتَ عنه يَجعلُ الزِّلزالَ مُحيطاً بالقارئِ من كلِّ جِهة، لا قادماً من جِهةٍ واحدةٍ يَستطيعُ أن يَستترَ من غَيرِها.

والجِذرُ ز-ل-ز-ل جذرٌ رُباعيٌّ مُكَرَّرُ المَقطَع: ز-ل ثمّ ز-ل. التَّكرارُ في بِنيةِ الكلمةِ نَفسِها هو التَّكرارُ في الحركةِ المَوصوفة: اهتزازٌ يُتبَعُ باهتزاز. ليست هَزّةً واحدةً تَعقبُها سَكينة، بل هَزّةٌ تَلِدُ هَزّة. الكلمةُ في فمِك تَتمايَلُ كما تَتمايَلُ الأرضُ تَحتَ القَدم.

«زِلزالَها»: الهَزّةُ المَنسوبةُ إليها وَحدَها

أعجبُ ما في الآيةِ هذه الإضافة: «زِلزالَها». لم يُقَل «زِلزالاً» نَكِرةً، ولا «الزِّلزال» مُعَرَّفاً، بل زِلزالاً مَنسوباً إليها بضَميرِ المُؤنّث. للأرضِ زِلزالٌ يَخصُّها، لا تَشتركُ فيه مع غَيرِها من الكَواكب. وكأنّ الهَزّةَ مُدَّخَرةٌ لها مُنذُ خَلقِها، تَنتظرُ ساعَتَها.

وهذا يَفتَحُ معنىً أوسَع: لكلِّ شيءٍ في الكِتابِ زِلزالُه. للسَّماءِ انفِطارُها، وللشَّمسِ تَكويرُها، وللجِبالِ نَسفُها. كلُّ مَخلوقٍ يَحملُ هَزّتَه الأخيرةَ في طِيّاتِه. والقارئُ، إن أَصغى، يَعرفُ أنّ له هو أيضاً زِلزالَه: لَحظةً يَنكَشِفُ فيها ما رَكَدَ في صَدرِه. لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، النَّهيُ في البَقَرةِ كانَ على وُسعِها قَبلَ أن تَهتزّ، لأنّ الفاسِدَ فيها هو نفسُه ما تَخرجُه ساعةَ الزِّلزال.

الأرضُ التي حَملَت الخلافةَ في إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ هي نفسُها التي تَهتزّ هنا. حَملَت ما حَملَت طويلاً، ثمّ يَأتي اليَومُ الذي تَفرَغُ فيه من حِملِها بهَزّتِها هي.


حَصيلة

السورةُ تَفتَتِحُ بـ«إذا» لا بـ«إن»: ظَرفٌ يَنتَظِرُ لا شَرطٌ مُحتَمَل. ما يَأتي بَعدَها مُؤَكَّد. الفِعلُ مَبنيٌّ للمَجهول: «زُلزِلَت» (ز-ل-ز-ل) بِلا ذِكرٍ للفاعِل، فَاللَّحظةُ تَنفَتِحُ من كلِّ جِهَة. والجِذرُ رُباعيٌّ مُكَرَّرُ المَقطَع (ز-ل ثمَّ ز-ل): التَّكرارُ في بِنيَةِ الكَلِمةِ نَفسِها هو التَّكرارُ في الحَركَةِ المَوصوفَة، هَزّةٌ تَلِدُ هَزَّة. ثُمَّ «زِلزالَها»: المَصدرُ مُضافٌ إلى الأَرضِ بِضَميرِ الغائِبَة، فَاللحظةُ تَخُصُّ الأَرضَ وَحدَها. لِكلِّ شيءٍ في هذا الكِتابِ هَزَّتُه التي تَخُصُّه. السورَةُ كلُّها هَزَّةٌ في ثَمانِ آياتٍ، تَبدأُ بِزِلزالٍ وتَنتَهي بِذَرَّة. ما بَينَهُما إعادةُ تَدقيقِ الميزان.