طه · الآية 60
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ»: الاسمُ يَظهَرُ حينَ يَنقَطِعُ الكَلام
جَرى هذا المَجلِسُ كُلُّه على «قَالَ» بِلا فاعِلٍ ظاهِر. سُئِلَ ثَلاثَ مَرّاتٍ ولم يُسَمَّ السّائِلُ في واحِدةٍ منها، وعُرِضَ عَلَيه الكُلُّ فقيلَ فيه «ـهُ» ولا اسم. ويَظهَرُ الاسمُ الآنَ، في السَّطرِ الذي يَنتَهي فيه الكَلام.
وأوَّلُ ما يُسنَدُ إلى الاسمِ المَذكورِ فِعلُ انصِراف. لم يُقَلْ «فقالَ فِرعَونُ»، قيلَ «فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ». يُسَمّى في اللَّحظةِ التي يُدَبِّرُ ظَهرَه فيها.
والجَذرُ و-ل-ي وَصلٌ مُتَعَلِّقٌ يَسري ويَلتَصِق، و«تَوَلّى» على وَزنِ تَفَعَّل: فَكُّ ذلك اللُّصوقِ بِفِعلٍ من صاحِبِه. فلَيسَ انصِرافاً وَقَعَ عَلَيه، هو فِعلٌ صَنَعَه بِنَفسِه.
وقد كانَ هو الذي قالَ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾، فطَلَبَ الحُضورَ ثُمَّ أدارَ ظَهرَه أوَّلَ ما فَرَغَ مِنَ الطَّلَب. الانصِرافُ هُنا لَيسَ نَقضاً لِلمَوعِد، هو أوَّلُ خُطوةٍ إلَيه.
«فَجَمَعَ كَيْدَهُ»: جَمعٌ لِمُفرَدٍ مَستور
المَجموعُ في السَّطرِ لَيسَ رِجالاً ولا آلة. المَجموعُ «كَيْدَهُ»، اسمٌ مُفرَدٌ مُضافٌ إلَيه.
والجَذرُ ك-ي-د كَتمٌ يَمتَدُّ في لِينٍ ثُمَّ يُدفَعُ نَحوَ غايَتِه: سَعيٌ مَستورٌ مُوَجَّه. فالمَجموعُ شَيءٌ يُوصَفُ بِأنَّه مُغَطّىً وأنَّ لَه وِجهة.
ولَفظُ الجَمعِ يَقتَضي مُتَفَرِّقاً يُضَمّ، وقد وَقَعَ هُنا على مُفرَد. جُمِعَ ما لا يُعَدُّ. والجَذرُ ج-م-ع تَكَتُّلٌ يَنضَمُّ ثُمَّ يُقبَضُ عَلَيه فلا يَنفَرِط، فالفِعلُ يَشُدُّ المُتَفَرِّقَ في قَبضةٍ واحِدة.
وهذا أوَّلُ ثَلاثِ مَرّاتٍ يَرِدُ فيها هذا اللَّفظُ في هذا المَشهَد، ويَختَلِفُ في كُلِّ مَرّةٍ ضَميرُه وصيغَتُه. يُذكَرُ أنَّه أوَّلُ ثَلاثٍ ولا يُعادُ ما في الأُخرَيَين.
فاءٌ وفاءٌ ثُمَّ «ثُمَّ»: ثَلاثةُ أفعالٍ بِحَرفَينِ مُختَلِفَين
عُدَّ الحُروفَ بَينَ الأفعال. «فَتَوَلَّىٰ» بِفاء، «فَجَمَعَ» بِفاء، «ثُمَّ أَتَىٰ» بِـ«ثُمَّ». حَرفانِ يُعَقِّبانِ بِلا مُهلة، وحَرفٌ ثالِثٌ يُمهِل.
فالانصِرافُ والجَمعُ حَرَكةٌ واحِدةٌ لا فُرجةَ فيها: أدارَ ظَهرَه فشَدَّ ما عِندَه. أمّا الرُّجوعُ فبَينَه وبَينَهُما مُهلةٌ لا يُقالُ ما جَرى فيها. الفَجوةُ في السَّطرِ حَرفٌ واحِد، وما فيها لَيسَ في الآية.
«ثُمَّ أَتَىٰ»: فِعلٌ عارٍ يُغلِقُ ما فُتِحَ بِفِعلٍ عارٍ
آخِرُ كَلِمةٍ فِعلٌ ماضٍ بِلا مَفعولٍ ولا ظَرفٍ ولا غاية. لا يُقالُ إلى أينَ أتى ولا بِمَن ولا مَتى. أتى، وسَكَتَ السَّطر.
وقارِنْ بَينَ طَرَفَي هذا المَجلِس. افتُتِحَ الجَوابُ الأوَّلُ بِفِعلٍ لَه مَفعولانِ ثُمَّ خُتِمَ بِـثُمَّ هَدَىٰ﴾، فِعلاً عارِياً بَعدَ «ثُمَّ». ويُختَمُ المَجلِسُ كُلُّه بِـ«ثُمَّ أَتَىٰ»، فِعلاً عارِياً بَعدَ «ثُمَّ».
حَرفٌ واحِدٌ وصيغةٌ واحِدةٌ في المَوضِعَين: مُهلةٌ ثُمَّ فِعلٌ لا مَفعولَ لَه. هُناكَ إشارةٌ لا يُسَمّى المُشارُ عَلَيه، وهُنا حُضورٌ لا يُسَمّى مَوضِعُه. سُئِلَ في أوَّلِ المَجلِسِ عن اسمٍ فأُعطِيَ فِعلَين، ويَنتَهي المَجلِسُ وقد صارَ هو فِعلاً بِلا خَبَر.
حَصيلة
جَرى المَجلِسُ كُلُّه على فِعلِ قَولٍ بِلا فاعِلٍ ظاهِر، ويَظهَرُ الاسمُ في السَّطرِ الذي يَنقَطِعُ فيه الكَلام، مُسنَداً إلَيه فِعلُ انصِرافٍ على وَزنِ تَفَعَّل: فَكُّ اللُّصوقِ بِفِعلٍ من صاحِبِه، لا انصِرافٌ وَقَعَ عَلَيه. وهو الذي طَلَبَ الحُضورَ قَبلَ سَطرَين، فإدارةُ الظَّهرِ هُنا أوَّلُ خُطوةٍ إلى المَوعِدِ لا نَقضٌ لَه. ثُمَّ يَقَعُ الجَمعُ على اسمٍ مُفرَدٍ مُضافٍ إلَيه، ومادّتُه كَتمٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يُدفَعُ نَحوَ غايَة، فالمَشدودُ في القَبضةِ شَيءٌ مُغَطّىً لَه وِجهة، وهو أوَّلُ ثَلاثِ مَرّاتٍ يَرِدُ فيها اللَّفظُ في هذا المَشهَد. والحُروفُ بَينَ الأفعالِ فاءٌ وفاءٌ ثُمَّ «ثُمَّ»: انصِرافٌ وجَمعٌ بِلا فُرجة، ثُمَّ مُهلةٌ لا يُقالُ ما جَرى فيها. ويُختَمُ بِفِعلٍ عارٍ لا مَفعولَ لَه ولا غاية، على الصّورةِ التي خُتِمَ بِها الجَوابُ الأوَّلُ في هذا المَجلِس: مُهلةٌ ثُمَّ فِعلٌ لا يُذكَرُ مُتَعَلَّقُه. طُلِبَ في أوَّلِ المَجلِسِ اسمٌ فجاءَ فِعلان، ويَنصَرِفُ صاحِبُ الاسمِ في آخِرِه فِعلاً بِلا خَبَر.