آل عمران · الآية 173

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

«الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ»: القَولُ يَصِلُ إلى أَصحابِ الاستِجابة

يَصفُ الموصولُ فئةً من غيرِ اسمٍ خاص، وصلتُه تَجعلُ «الناس» فاعلَ قولٍ موجَّهٍ إليهم باللام، والتعريفُ في «الناس» يَجعلُ اللفظَ جِنساً معهوداً في القولِ نفسِه، فيَنصَرِفُ إلى مَن صَدَرَ عنه الخبرُ في هذه الجملة. والضميرُ في «لهم» يَعودُ إلى أصحابِ الموصولِ الذين استجابوا وأحسنوا واتّقوا في السياق. وتَحفظُ الآيةُ القائلينَ والمتلقّينَ جماعتَينِ متميّزتَينِ بتركيبِ الفاعلِ والجارّ، ثمّ يُعادُ اللفظُ نفسُه في «إنّ الناسَ» للجهةِ المَجموعة، فيَحمِلُ لفظٌ واحدٌ موقعَينِ متمايزَينِ في جملةٍ واحدة.

«إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ»: المقولُ يَجمعُ خبراً وأمراً

وتَفتَحُ «إنّ» كلامَ الناسِ بتوكيد، ويُعادُ الاسمُ نفسه فاعلاً لفعلِ «جمعوا». والجمعُ من ج-م-ع، وأصلُه اجتماعٌ يَضمُّ ويتلاصق ثمّ يَظهرُ من العُمق، فيَحمِلُ ضمَّ أطرافٍ بعضِها إلى بعض. واللامُ في «لكم» تَجعلُ التجمّعَ متوجّهاً إلى المخاطَبين، ثمّ تَعقُبُ الفاءُ بأمرِ «اخشوهم». والخشيةُ أثرٌ يَنفذُ في الداخل، والهاءُ تعودُ إلى الناسِ المذكورين، فالمطلوبُ بالأمرِ نَقلُ أثرِ الجَمعِ إلى باطنِهم، أي أن يَصيرَ ما اجتمعَ في الخارجِ حالاً في القلوب.

«فَزَادَهُمْ إِيمَانًا»: الخَوفُ المَطلوبُ يَزيدُ الإيمان

وتأتي الفاءُ بفعلٍ ماضٍ يَجعلُ ضميرَ المتلقّينَ مفعولاً أوّلَ و«إيماناً» مفعولاً ثانياً. والزيادةُ من ز-ي-د، ومادّتُه اكتِنازٌ مُتَضاغِطٌ فَوقَ ما كانَ ثمّ يُحبَسُ مَعَه ثابِتاً، فهي تَحمِلُ نماءً يُضافُ إلى أصل. والفاعلُ مستترٌ يعودُ إلى القولِ أو الخبرِ المذكورِ في البناء، فلا تُضيفُ الآيةُ شخصاً جديداً. والذي أُريدَ به الخشيةُ لم يُنقِصْهم؛ زادَهم إيماناً، والإيمانُ نكرةٌ تَصفُ نوعَ الزيادةِ لا مقدارَها العددي.

«وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ»: الجوابُ يَردُّ الكفايةَ إلى الله

والواوُ تَعطفُ قولَ المتلقّينَ على قولِ الناس، فيَصيرُ في الآيةِ صوتانِ متقابلان. و«حسبنا» خبرٌ مقدّمٌ بمعنى الكفاية، والضميرُ يَجعلُها لهم، واسمُ الله مبتدأٌ مؤخّر. وقولُهم يُقِرُّ بالخبرِ الذي نُقلَ إليهم، ثمّ يُبدِّلُ الجهةَ التي تُطلَبُ منها الكفاية، فيَضعُ اللهَ حَسْبَهم. والانتقالُ من «اخشوهم» إلى «حسبنا الله» يَنقلُ مركزَ التعلّقِ من الناسِ المجموعةِ إلى الكفايةِ الإلهيّة.

«وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»: المدحُ يَختمُ طبيعةَ الاعتماد

ثمّ تأتي الواوُ بصيغةِ مدحٍ فعلُها «نعم» وفاعلُها «الوكيل». والوكيلُ من و-ك-ل، وهو عقدٌ يَدخُلُ كَتماً وامتساكاً ثمّ يَتعلّقُ بجهتِه، واسمُ الفاعلِ فيه يَحملُ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً في تولّي ما وُكِل. والتعريفُ يَجعلُ الوصفَ معهوداً في قولِهم، فالوكيلُ عندَهم معروفٌ قبلَ أن يُوصَف، ويَجيءُ المدحُ إقراراً بما عَرَفوه. والمدحُ لا يَرِدُ منفصلاً عن الكفاية، ويَشرحُ جهةَ اعتمادِ الجماعةِ بعدَ زيادةِ الإيمان.


حَصيلة

يَنقلُ النصُّ قولَ ناسٍ لآخرين: إنّ الناسَ جمعوا لكم فاخشوهم، فيَحمِلُ لفظُ «الناس» موقعَ القائلِ وموقعَ المَجموعِ في جملةٍ واحدة، ثمّ يَكشفُ النصُّ أثراً مخالفاً للأمرِ بالخوف: زادَهم القولُ إيماناً. وجاء جوابُهم في عبارتينِ مترابطتين: حسبنا الله، ونعم الوكيل، والأولى تَجعلُ الكفايةَ بالله، والثانيةُ تَمدحُ طبيعةَ الوكالةِ المستمرّة. وخبرُ الجمعِ باقٍ لا يَختفي، غيرَ أنّ وِجهةَ القلبِ تنتقلُ من خشيةِ الناسِ إلى إيمانٍ زائدٍ واعتماد.