آل عمران · الآية 25

﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

«فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ»: السُّؤالُ يَهدِمُ أمانَ التَّفَرُّق

والفاءُ تَصِلُ السُّؤالَ بالافتراءِ السابق، والمَعنى: إذا كانَ القَولُ قد حَدَّدَ المَسَّ، فكيفَ حينَ يَقَعُ الجَمع؟ ويَترُكُ الاستِفهامُ جَوابَه للمَشهدِ الآتي، فالجَمعُ الذي يُوصَفُ بَعدَه يَكفي وَحدَه لنَقضِ الأمانِ المَصنوع.

والجَمعُ من ج-م-ع، وهو تَجَمُّعٌ في حَيِّزٍ يَلتَصِقُ ثمَّ يَظهَرُ ما كانَ في العُمق. والضَّميرُ «نا» يَرُدُّ الجَمعَ إلى الله، والضَّميرُ «هم» يَردُّ المتفَرِّقينَ إلى مَوضِعٍ واحد، فما فَرَّقَه الافتراءُ من حِساباتٍ خاصّةٍ يَلتَئِمُ في المَشهدِ الجامع.

«لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ»: مَدىً لا يَتَّسِعُ للاهتِزاز

واللامُ تَجعلُ اليومَ غايةَ الجَمع. والرَّيبُ من ر-ي-ب جَرَيانٌ يَجري في النَّفسِ ثُمَّ يُحبَسُ عن مُستَقَرِّه فيُحدِثُ اضطِراباً لا يَستَقِرّ. والمَنفيُّ أن يَحمِلَ اليومُ في ذاتِه مَوضعاً يَجعَلُه مُرتاباً، وليسَ المَعنى أنَّ أحداً لا يَشُكّ.

«وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ»: كُلُّ داخِلٍ يَلقَى ما ضَمَّه إليه

والتَّوفيةُ من و-ف-ي، ومَعناها وَصلٌ يَنفُذُ مُفَرِّقاً ثمَّ يَمتَدُّ حتى يَبلُغَ التَّمام، وبِناؤُها للمَفعولِ يَجعلُ كُلَّ نَفسٍ مَوضِعَ إيصالٍ كامِل. والنَّفسُ من ن-ف-س انبِعاثٌ يَنفُذُ ثمَّ يَسري، وهي الكيانُ الذي يَخرُجُ منه الفِعلُ ويَعودُ إليه أَثَرُه.

وأصلُ ك-س-ب كَتمٌ يَمتَدُّ في سَريانٍ ثمَّ يَتَّصِلُ بصاحِبِه، والكَسبُ ما يَضمُّه الإنسانُ إلى رَصيدِه بفِعلِه. والمُوفّى «ما كسبت»، أي ما صَنَعَت له صِلةً بنَفسِها، فلا تُوفَّى النَّفسُ شيئاً غَريباً عنها.

«وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ»: التَّمامُ لا يَميلُ عن المَوضِع

والظُّلمُ من ظ-ل-م غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، فيَضَعُ الشيءَ في غيرِ مَوضِعِه، ونَفيُه يَحفَظُ التَّوفيةَ من أيِّ زيادةٍ أو نُقصان. والجَمعُ لا يَمحُو الفَرد، وكُلُّ نَفسٍ لا تَحمِلُ إلا ما اتَّصَلَ بكَسبِها.


حَصيلة

يُقابِلُ الجَمعُ وَهمَ الأَيامِ المَعدودة، فيَجتَمِعُ الناسُ لِيومٍ لا اهتِزازَ في حَقيقتِه، وتُدفَعُ إلى كُلِّ نَفسٍ حَصيلتُها تامّة. ولفظُ «كل» يَمنَعُ الذّاتَ أن تَختَبِئَ في الجماعة، ونَفيُ الظُّلمِ يَمنَعُ الحِسابَ أن يَحمِلَ إليها ما لم تَكسِب، وما صَنَعَتْه النَّفسُ خارجَها يَعودُ إليها كامِلاً.