البقرة · الآية 38
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا»: الهُبوطُ المَكانيّ، وَكَثرةُ الأصناف
هذا هو الأمرُ الثاني بالهُبوط. الأوّلُ جاءَ بلا ظَرفِ مَكان: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، فَصَحَّ أن يُقرأَ هُبوطاً معنويّاً: انحِلالُ السُّكونِ ودُخولُ العَداوةِ بين الأزواج. أمّا الثاني فَقَد نَصَّ على الظَّرفيّةِ المَكانيّة: اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، فالنُّزولُ هُنا حِسّيٌّ مَوقِعيّ. الأوَّلُ هُبوطُ رُتبةٍ وحال، والثاني هُبوطُ مَكانٍ وَقَدَم.
ولفظُ جَمِيعًا﴾ هُنا يَختَلِفُ عن بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ في الآيةِ قَبلَها. «بَعْض» يُفيدُ قِلّةً قابِلةً للإحصاء: آدمُ وزَوجُه وإبليس. «جَميعاً» يُفيدُ كَثرةً واتّساعاً في العَدَدِ والصِّنف. فبَين الأمرَينِ فاصِلٌ زَمانيٌّ طالَ حتّى تَكاثَرَت الخَليقة، فَلَم يَعُد الخِطابُ مَحصوراً في بِضعةِ أفراد، بل صارَ مُوَجَّهاً إلى نَوعٍ بأَصنافِه. والخِطابُ لا يَشمَلُ إبليسَ هُنا، لأنَّ الوَعدَ المُتَفَرِّعَ يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ يَستَثنيه ابتِداء.
«فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى»: الحَتميّة، ونَسَبُ الهُدى إلى الله
ثَلاثُ خصائصَ تَفتَحُ هذا الوَعد. الأولى: فَإِمَّا﴾ لا فَإِنْ﴾. «إنْ» تُفيدُ الاحتِمال، و«إمّا» تُفيدُ الحَتميّةَ المَحضَ. الهُدى آتٍ، والنِّقاشُ ليسَ في وُقوعِه بل في زَمانِه. والثانية: يَأْتِيَنَّكُم﴾ بنونِ التَّوكيدِ الثَّقيلة، ولو كانَ المُرادُ مَرَّ الكَرامِ لَقيلَ «يَأتيكم». فالنُّونُ تَشُدُّ الفِعلَ حتّى يَصيرَ طَرْقاً مُتَكَرِّراً: الهُدى يَطرُقُ ويَدعو ويَبذِلُ، يَعيشُ الأنبياءُ في دَعوَتِه أربعينَ سَنةً وثَلاثين. والثالثة: مِّنِّي﴾، فالرَّبُّ يَنسُبُ الهُدى إلى ذاتِه لا إلى وَسائطَ مَخلوقة. وهذا يَستَمِرُّ في هُدَايَ﴾: كُلُّ هادٍ إنَّما هو مَبعوثٌ بإذن، والأنبياءُ يُسَمّى أحَدُهم دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾.
ثمَّ إنَّ هُدًى﴾ جاءَ نَكِرةً ولم يَأتِ مُعَرَّفاً. والتَّنكيرُ هُنا استِغراقٌ لا تَنكيرُ جَهالة: أيُّ هُدىً كانَ نافِذاً إليك، فَهو المَقصود. إعجازٌ قُرآنيّ، أو تَرقيقٌ للقَلب، أو آيةٌ كَونيّة، أو مُعجِزةٌ حِسّيّة، أو حِكمةٌ بالِغة، أو داعٍ يَلتَقي بك على قارِعةِ الطَّريق. الرَّبُّ لم يَحصُرْ طَريقَ الوُصولِ في قَناةٍ واحِدة، فَلا عُذرَ لِمَن أُعرِضَ عنها جَميعاً.
«فَمَن تَبِعَ» من (ت ب ع): الانتِسابُ قَبلَ الاتّباعِ المُفَصَّل
الآيةُ اختارَت تَبِعَ﴾ دونَ اتَّبَعَ﴾، والفَرقُ بينَهما دَقيقٌ ومَقصود:
- تَبِعَ: انتِسابٌ وانجِذابٌ أوَّليّ، يَكفي فيه المَيلُ الفِطريُّ نَحوَ الحَقّ، وأن يُحسَبَ الإنسانُ على جَماعةِ الهُدى وإن قَصَّرَ في التَّفاصيل.
- اتَّبَعَ: سَيرٌ بإرادةٍ وعَزم، خَطوةً بِخَطوة، كما في إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾. مَرحَلةٌ أعلى، تَشتَرِطُ المُجاهَدةَ الواعِية.
فَالرَّحمةُ في هذه الآيةِ أنَّها لم تَشتَرِطْ كَمالَ الاتِّباع، بل اكتَفَت بالانتِساب: يَكفي أن يَكونَ وَجهُ الإنسانِ نَحوَ الهُدى حتّى يَنطَبِقَ عليه الوَعد. ومَن انتَسَبَ إلى «لا إلهَ إلّا الله» ولَو كانَ مُقَصِّراً، فهو مَحسوبٌ على أهلِها، وعندَه العُمرُ لِيُطَوِّرَ إيمانَه ويُصَدِّقَه ويَزيدَه. وتَظهَرُ دِقّةُ هذا التَّفريقِ بالمُقارَنةِ مع سورةِ طه: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾. في البَقَرة: «تَبِع» (انتِساب) ووَعدُه «لا خَوفٌ ولا حُزن» (تَطمينٌ عامّ). في طه: «اتَّبَع» (سَيرٌ مُفَصَّل) ووَعدُه «لا يَضِلُّ ولا يَشقى» (ضَمانٌ أعلى: لا ضَلالَ في الدُّنيا ولا شَقاءَ في الآخِرة). فَمَن «تَبِعَ» قد يَضِلُّ في بَعضِ الأحيانِ لكنَّ في قَلبِه إيماناً يَرُدُّه، ومَن «اتَّبَعَ» خَطوةً بِخَطوةٍ فازَ فَوزاً مُفَصَّلاً. القُرآنُ لا يُكَرِّرُ، وكُلُّ لَفظةٍ في مَوضِعِها تَحمِلُ مَعنىً مُختَلِفاً.
«لَا خَوْفٌ... وَلَا يَحْزَنُونَ»: جِهَتا الزَّمَن، ونَفيُ الخَطيئةِ الأصليّة
«الخَوف» من (خ و ف) = قَلَقٌ من قادِمٍ لم يَأتِ بَعد. «الحُزن» من (ح ز ن) = أَصلُ الجذرِ خُشونةُ الأرضِ وَوَعثاؤُها، ومنه «الحَزْن» = المَكانُ الصَّعبُ العَبور. فالآيةُ تَجمَعُ جِهَتَي الزَّمَنِ في نَفيٍ واحِد: لا قَلَقٌ على المُستَقبَل، ولا وَعثاءُ من الماضي. وَبَينَ الكَلِمَتَينِ تَنتَظِمُ العُمرُ كُلُّه: أمامٌ بلا رُعب، وخَلفٌ بلا نَدامة.
والخَوفُ من المُستَقبَلِ هو الذي وَقَعَ فيه آدمُ حينَ وَسْوَسَ إليه الشَّيطانُ بِمُلكٍ لا يَبلى: خافَ من الفَناء، فَطَمِعَ في خُلدٍ كاذِب. فَمَن تَبِعَ الهُدى آمَنَ بالحَياةِ الأبَديّةِ في الآخِرة، فَلَم يَعُدْ لِلشَّيطانِ مَدخَلٌ من بابِ الفَناء. وأمّا الحُزنُ على الماضي، فَفي نَفيِه نَسفٌ لِفِكرةِ «الخَطيئةِ الأصليّة» من جُذورِها: لا يَحمِلُ المُؤمِنُ وِزرَ أبيه آدمَ ولا يَقولُ «لَولا فَعَلَها لَما نَزَلنا». الهُبوطُ ليسَ عُقوبةً مَنقولة، بل مَرحَلةٌ مُقَرَّرةٌ في الخُطّة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قَبلَ كُلِّ زَلّة، فَالأرضُ مَيدانُ التَّكليفِ لا مَنفى.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الهُدى» في القُرآنِ ليسَ دِيناً مُنغَلِقاً على جَماعة، ولا اسمَ مَذهَب، بل إشارةٌ دَوريّةٌ يُرسِلُها الرَّبُّ في كُلِّ جيل، يَتَّبِعُها مَن شاءَ لِيُؤَدّيَ دَورَه في الأرض، ويَنجو بها من جِهَتَي الزَّمَن.
حَصيلة
يُعادُ الأمرُ بالهُبوطِ هنا بِتَفصيلٍ لَم يَكُن في الآيةِ قَبلَها: «مِنها» تُحَدِّدُ الهُبوطَ مَكانيّاً صَريحاً، و«جَميعاً» يُوَسِّعُ الخِطابَ من بِضعةِ أشخاصٍ إلى النَّوعِ بأَصنافِه كُلِّها. لكنَّ أَهَمَّ ما في الآيةِ أنَّ وَعداً انضَمَّ إلى الأمرِ قَبلَ أن يَتِمَّ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾. ثَلاثةُ مُؤَكِّداتٍ تَتَكاثَفُ: «إمّا» حَتميّةٌ لا يُناقَشُ فيها إلّا الوَقت، ونونُ التَّوكيدِ الثَّقيلةُ في «يَأتيَنَّكُم» تُضاعِفُ الطَّرقَ على البابِ، و«مِنِّي» تَنسِبُ الهُدى إلى الذَّاتِ الإلهيّةِ لا إلى وَسائط. والهُدى جاءَ نَكِرةً مُفتوحةَ الأشكال: أيُّ إشارةٍ كانَت نافِذةً إليك تَنتَسِبُ إلى هذا المَصدَر. وصيغةُ «تَبِعَ» دونَ «اتَّبَعَ» رَحمةٌ في التَّكليف: الانتِسابُ الأوَّليُّ يَكفي لا يُشتَرَطُ كَمالُ الخَطوات. والوَعدُ نَفيٌ من جِهَتَي الزَّمَنِ مَعاً: لا خَوفٌ من جذرِ خ-و-ف فَراغٌ مُحيطٌ يُفَرِّقُ الكيانَ قَلَقاً على ما لَم يَأتِ بَعد، ولا حُزنٌ من جذرِ ح-ز-ن خُشونةُ أرضٍ صَعبةِ العُبورِ وثِقَلُ ما مَضى. والخَوفُ من الفَناءِ هو الذي فَتَحَ بابَ وَسوَسةِ الشَّيطانِ لِآدمَ، فَمَن تَبِعَ الهُدى أُمِّنَ من ذلك الباب. الهُبوطُ والوَعدُ معاً في آيةٍ واحِدة: لا نُزولَ بِلا دَليل، والكَلِمةُ قَبلَ المُصطَلَح.