الهمزة · الآية 2

﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ

«جَمَعَ مالاً»: قَبضٌ يَستَأثِرُ ولا يُجري

يَدورُ الجِذرُ ج-م-ع في كَلامِ العَرَبِ على ضَمِّ المُتَفَرِّقِ في حَيِّزٍ واحِد، فالجامِعُ مَن يُلِمُّ ما تَناثَر، والجامِعُ من المَساجِدِ ما يُلَمُّ فيه النّاس. غَيرَ أنَّ الجَمعَ في القُرآنِ يَنقَسِمُ بحَسَبِ مَوضِعِ يَدِ الجامِع: جَمعٌ يَفتَحُ ما جُمِعَ على غَيرِه، وجَمعٌ يَستَأثِرُ بِه، والأوّلُ كالغَمامِ يَجمَعُ الماءَ ليَرُدَّه على الأرض، والثاني كالخِزانةِ تُغلِقُ على ما فيها.

والآيةُ هنا تَختارُ المَعنى الثاني، فقد جاءَ «جَمَعَ مالاً» وَلَم يُذكَر بَعدَه إِنفاقٌ ولا إجراء، كأنَّ الفِعلَ تَوَقَّفَ عند نُقطَةِ التَّجميعِ ولَم يَتَجاوَزها. والبَقَرةُ في مَوضِعٍ آخَرَ تَسأَلُ السامِعَ بصَريحِ العِبارَة: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾، والسُّؤالُ هناك يَدورُ على المُخرَجِ من المال، والفِعلُ هنا يَدورُ على المُدخَلِ إليه فَقَط. فالفَرقُ بَين المُؤمنِ والهُمَزَةِ في اتِّجاهِ الجَمع، لا في وُجودِ المال: هل جَمَعَ ليُفرِّق، أم جَمَعَ ليَستَأثِر.

وتَزيدُ البَقَرةُ المعنى وضوحاً حين تُحَذِّرُ مَن يَجمَعُ ثمّ يُبطِلُ بمَنٍّ أو أَذى: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾، فالجَمعُ هناك يَخرُجُ ثمّ يَعودُ فاسِداً بفِعلِ صاحبِه، وهنا لا يَخرُجُ أصلاً، وكِلتا الصورَتَين تُريانِ الإنسانَ كَيفَ يُفسِدُ مالَه: مَرَّةً بالاحتِباس، ومَرَّةً بالإِخراجِ المَشروطِ بأذى.

«وَعَدَّدَه»: التَّكرارُ في الإحصاءِ كَأَنَّه عِبادَة

والجِذرُ ع-د-د في اللِّسانِ العَرَبيِّ يَدورُ على ضَبطِ الكَمِّيَّة بإحصاءِ آحادِها، وعَدَّ الشَّيءَ أَحصاهُ آحاداً مُتَتابِعَة. وعُدِلَ في الآيَةِ عن «عَدَّه» في فَعَلَ المُجَرَّدة إلى «عَدَّدَه» في فَعَّلَ المُضَعَّفة، وفَعَّلَ في العَربيَّةِ يُضيفُ إلى الفِعلِ شَحنَةَ التَّكرارِ والمُبالَغة، فكَسَّرَ غَيرُ كَسَر، إذ يَدُلُّ كَسَّرَ على كَسرٍ مُتَعَدِّدٍ مُتَكَرِّر، وكَذلِك عَدَّدَ غَيرُ عَدّ، فهو يَدُلُّ على عَدٍّ يَدورُ ويَدور.

فالرَّجُلُ في الآيةِ لا يَعُدُّ مالَه مَرَّةً ليَعرِفَه، وهو يَعُدُّه مَرَّةً وَيَعودُ، ويَعُدُّه ثانِيَةً وَيَعود، وقد صارَ الإحصاءُ طُمأنينَتَه، كأنَّ المالَ يَنقُصُ في غَيبَتِه إن لم يُلامِسهُ النَّظَر، وكأنَّ الرَّقمَ يَكبُرُ بمُجَرَّدِ تَكرارِ نُطقِه. وهذا طَقسٌ نَفسيٌّ، لا حِسابٌ ضَروريّ، والطَّقسُ يُؤَدّيهِ الإِنسانُ ليَطمَئنَّ على ما لا يَطمَئنُّ علَيه قَلبُه.

وفي تَجاوُرِ «جَمَعَ» المُجَرَّدَةِ مع «عَدَّدَ» المُضَعَّفَة دَلالَةٌ بَلاغيّة، فالجَمعُ فِعلٌ واحِدٌ يَنقَطِع، والتَّعديدُ فِعلٌ مُتَواصِلٌ لا يَنقَطِع، والإِنسانُ في الآيةِ جَمَعَ مَرَّةً ثمّ ظَلَّ يَدورُ على ما جَمَعَ بلا نِهايَة، كأنَّ المالَ بُذِرَ في يَدِه فَنَبَتَ إِدماناً.

المالُ الذي يَدورُ على ذاتِه: مَنبَعٌ مَحبوسٌ في خِزانَة

الكَوثَرُ في سورةِ الكَوثَرِ مَنبَعٌ يَتَفَرَّعُ ويَجري، والمالُ في هذه الآيةِ مَنبَعٌ مَحبوسٌ يَدورُ على نَفسِه، والفَرقُ بَينَهُما في حَركَةِ اليَد، لا في الكَمّيَّة: فاليَدُ في الكَوثَرِ مَفتوحَةٌ تُعطي وتَفيض، واليَدُ هنا مَقبوضَةٌ تَجمَعُ وتَعُدّ. والسورَتانِ تَتَلاقَيانِ في صورَةٍ واحِدَة: المالُ كالماء، إن جَرى أَنبَتَ، وإن حُبِسَ فَسَد.

والقارِئُ الذي يَأتي إِلى هذه الآيةِ بَعدَ الكَوثَرِ يَفهَمُ لِمَ ذُكِرَ الجَمعُ والتَّعديدُ بنُكرةِ المال، فمَن جَعَلَ المالَ غايَتَه نَزَعَ عنه التَّعريف، فَلَم يَبقَ إلّا «شَيءٌ يُجمَع، يُعَدُّ، يُعادُ عَدُّه»، أمّا الذي عَرَفَ مَن أَجراهُ إلَيه فيَعرِفُ المالَ باسمِه، ويَعرِفُ مَواضِعَه التي يَجري إِلَيها.

وقد تَجَدَّدَ التَّعديدُ في زَمانِ القارِئ بِأَدَواتٍ جَديدة: شاشَةٌ تُحَدِّثُ الرَّقمَ كلَّ ثانِيَة، وخَوارِزميَّةٌ تَقيسُ المُتابَعات، وتَطبيقٌ يَعُدُّ المُعجَبين كما يُعَدُّ الذَّهَب، والجِذرُ نَفسُه يَعمَلُ في صورٍ جَديدَة، ومَن صارَ يَدورُ على رَقمٍ يَدورُ على نَفسِه فقد دَخَلَ في «عَدَّدَه» وإن لم يَلمِس قِطعَةَ ذَهَبٍ في حَياتِه.


حَصيلة

تُعَرِّفُ الآيَةُ الهُمَزَةَ اللُّمَزَةَ بِفِعلَينِ لا بِنَسَبٍ وَلا بِاسم: الذي جَمَعَ، وَالذي عَدَّد، وَالصيغَتانِ مُختَلِفَتانِ بِقَصد، فـ«جَمَعَ» في فَعَلَ المُجَرَّدَة قَبضٌ يَتِمُّ مَرَّةً وَاحِدَة، و«عَدَّدَه» في فَعَّلَ المُضَعَّفَة عَدٌّ يَتَكَرَّرُ وَيَدور. وأوثِرَ «عَدَّدَه» على «عَدَّه» مَرَّةً، فقد حَسَبَ ثُمَّ أَعادَ ثُمَّ أَعادَ، كَأَنَّ المالَ يَنقُصُ إِن تُرِكَ بِلا إِحصاء.

وَجِذرُ (ج-م-ع) يَدورُ على ضَمِّ المُتَفَرِّقِ في حَيِّزٍ واحِد، والجَمعُ هُنا لا يَفتَحُ ما جُمِعَ على غَيرِه. و«مالاً» نَكِرَة، فهو شَيءٌ لَم يَعُد صاحِبُه يَسأَلُ ما هو وَلا مِن أَينَ هو، وقد صارَ مالاً نَكِرَةً يَطلُبُه وَلا يَكتَفي. وَالبَقَرَةُ تَقترِحُ السُّؤالَ المَعكوس: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾، فالسُّؤالُ هُناكَ يَدورُ على المُخرَجِ مِنَ المال، والفِعلُ هُنا يَدورُ على المُدخَلِ إِلَيه فَقَط.

وَالوَصفانِ مُتَلازِمان: مَن جَعَلَ غَمزَ النّاسِ وَلَمزَهم صِناعَةً جَعَلَ المالَ نِهايَتَه، والذي يَنخُسُ غَيرَه لِيَرتَفِعَ يَعُدُّ ما تَحتَه لِيَطمَئِنّ. والسورَةُ تَكشِفُ كَيفَ يَدورُ الإنسانُ على ذاتِه، عَينُه تَنخُس، وَيَدُه تُحصي، وَالآيَةُ التاليَةُ سَتَكشِفُ لِمَ يُحصي.