آل عمران · الآية 9

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ

«إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ»: جَمعٌ مُقَرَّرٌ بصيغةِ الاسم

يَستَمِرُّ الدُّعاءُ بـ«ربّنا»، غَيرَ أنَّه يَنتَقِلُ من الطَّلبِ إلى التَّقرير: «إنَّك جامعُ الناس»، و«إنَّ» تُؤَكِّد، و«جامع» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ الجَمعَ صِفةً قائمةً لا خَبَراً عابِراً عن فِعلٍ مَضى. والجِذرُ ج-م-ع يَضُمُّ التَّجَمُّعَ إلى التَّلاصُق ثُمَّ يُظهِرُه، وما تَفَرَّقَ في المَجالِ يُرَدُّ إلى مَجمَعٍ واحد.

والمَجموعُ هو «الناس»، لَفظٌ يَستَغرِقُ الجِنسَ كُلَّه في هذه الجُملة، فتَقَعُ سَعةُ الجَمعِ على سَعةِ اللَّفظ. والصِّفةُ التي يَحمِلونَها هنا أنَّهم يُجمَعون، وإضافةُ «جامع» إليهم تَجعَلُ الجَمعَ واقِعاً عليهم بِجِنسِهم وَحدَه. فما بَدَأَ بِكُلِّ الناسِ يَنتَهي إليهم كُلِّهم، ويَبقى المَجمَعُ واسِعاً بِسَعةِ الاسمِ الذي سَمّى المَجموعين.

«لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ»: مَوعِدٌ يَجذِبُ الجَمعَ إليه

واللامُ في «ليوم» تُوَجِّهُ الجَمعَ إلى غايةٍ، فهو يَجمَعُهم لِيوم. واليومُ نَكِرة، وما يُعَرِّفُه في هذه الجُملةِ وَصفٌ واحِدٌ لاصِقٌ به: «لا ريب فيه». والرَّيبُ من ر-ي-ب جَريانٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يُحتَبَسُ في ضَغط، أي قَلَقٌ لا يَستَقِرُّ على جهة، أمّا هذا اليومُ فلا يَجِدُ الرَّيبُ فيه مَجراً.

وعُدِلَ عن «لا نَرتابُ فيه»، وهو يَجعَلُ النَّفيَ حالاً في النُّفوس، إلى «لا ريبَ فيه»، فنُفِيَ الرَّيبُ عن اليومِ في ذاتِ العبارة. وقد يَرتابُ مُرتاب، ولا يَصيرُ المَوعِدُ بذلكَ مُرتاباً فيه من جهةِ ثُبوتِه، وغُبارُ السائرِ لا يُغيِّرُ مَكانَ الطَّريق.

«لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ»: الوَعدُ لا يَترُكُ فَراغاً خَلفَه

ثُمَّ تَخرُجُ الخاتمةُ من الخِطابِ «إنَّك» إلى الاسمِ الظاهِر: «إنَّ الله لا يُخلِفُ الميعاد»، وهذا الانتقالُ يَجعَلُ ما كانَ دُعاءً شهادةً عامّة. والإخلافُ من خ-ل-ف يَحمِلُ فَراغاً يَمتَدُّ بَعدَ انفِصالٍ، كأن يَترُكَ الوَعدُ مَكانَه ولا يَحضُر، أمّا «لا» فتَنفي أن يَقَعَ هذا الفَراغ.

و«الميعاد» من و-ع-د، ومَعناه وَصلٌ يَظهَرُ من العُمقِ ثُمَّ يَثبُتُ ويُضبَط، وهو رِباطُ قولٍ بلُقيا مُقَرَّرة، فوقَ كَونِه زَمَناً على خَطّ، ولذلك يَلتَقي جِذرا الجَمعِ والوَعد: الأوّلُ يَضُمُّ المُتَفَرِّق، والثاني يَثبُتُ فلا يَترُكُ مَكانَ اللِّقاءِ خالياً.


حَصيلة

تَبدأُ الجُملةُ بدُعاءٍ وتَنتَهي بشَهادة: «ربّنا إنَّك جامع»، ثُمَّ «إنَّ الله لا يُخلِف». وبينَهما يومٌ تَتَّجِهُ إليه جُموعُ الناس ولا يَجِدُ الرَّيبُ داخِلَه مَجراً. والجَمعُ يَرُدُّ التَّفَرُّق، والوَعدُ يَملأُ المَوعِدَ فلا يَترُكُه فَراغاً، وما دامَ الجامِعُ هو صاحِبَ الميعاد، فالبُعدُ بينَ الناسِ لا يَصيرُ بُعداً عن اللِّقاء.