الإسراء · الآية 88

﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا

«قُل لَّئِنِ»: أمرٌ بِالقَول، ويَمينٌ تَسبِقُ الشَّرط

والكَلامُ مَأمورٌ بِه، فقد عُدِلَ عن «قال» إلى قُل، والذي يُنطَقُ بَعدَه قَولٌ سُلِّمَ إلَيه لِيُبَلِّغَه، وليسَ رَأياً يُنشِئُه صاحِبُه.

ثُمَّ لامٌ ثُمَّ «إن»، واللّامُ مُوَطِّئةٌ لِيَمينٍ لم تُذكَر، و«إن» أداةُ شَرط، فالشَّرطُ مَحلوفٌ عَلَيه قَبلَ أن يُقال، والجَوابُ الآتي بَعدَه مُثَبَّتٌ بِيَمينٍ لا بِتَخمين، ومَن قَرَأَ اللّامَ عَرَفَ أنَّ ما يَليها إخبارٌ عن حال، وليسَ تَوَقُّعاً لِنَتيجة.

«اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ»: جَمعٌ يَصنَعُه أهلُه بِأنفُسِهِم

واجْتَمَعَتِ على وَزنِ افتَعَلَ، والفِعلُ فيها راجِعٌ إلى فاعِلِه، فقد جَمَعوا أنفُسَهُم، ولم يُجمَعوا فيُقالَ «جُمِعَت». والفَرضُ المَبسوطُ هُنا أوسَعُ ما يَكونُ الفَرض، فلا أحَدَ يَسوقُهُم، وهُم الذين يَقصِدون.

ومادّةُ ج-م-ع تَكَتُّلٌ يَنضَمُّ بَعضُه إلى بَعضٍ حتّى يَتَلاصَق، ثُمَّ قَبضٌ يَلتَحِمُ عَلَيه فيَصيرُ الكُلُّ جِسماً واحِداً، فالاجتِماعُ في الجِذرِ التِحامٌ يَذهَبُ فيه الفَرقُ بَينَ الأفراد، وليسَ وُقوفاً في مَكانٍ واحِد.

والمَجموعُ صِنفانِ لا صِنف: الظّاهِرُ الذي يُؤنَسُ بِه، والمَستورُ الذي لا تَقَعُ عَلَيه عَين، وقد جُمِعَ ما يُرى وما لا يُرى في فَرضٍ واحِد. وسَمّاهُما الكَلامُ ولم يَزِدْ عَلَيهِما وَصفاً، فيُلتَزَمُ الحَدُّ الذي انتَهى إلَيه.

«عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ»: مَطلوبٌ يُحمَلُ لا يُوصَف

و«على» تَجعَلُ لِلاجتِماعِ مَقصِداً، فقد اجتَمَعوا على شَيء، ولم يَجتَمِعوا وَحدَهُم. والجَمعُ الذي لا غايةَ فَوقَه حُشدٌ، والجَمعُ الذي تَعلوه غايةٌ عَزم.

والفِعلُ يَأْتُوا من أ-ت-ي، وأصلُه انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه، وقد عُدِّيَ بِالباء، والباءُ تُلصِقُ المَحمولَ بِالحامِل، فالمَطلوبُ مَجيءٌ يَحمِلُ شَيئاً في يَدِه، لا قَولٌ يُقالُ عن الشَّيءِ ولا حُكمٌ عَلَيه، والإتيانُ بِالشَّيءِ غَيرُ التَّكَلُّمِ فيه.

والمَطلوبُ بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ، والمِثلُ من م-ث-ل، ومَدارُه على صورةٍ تُضَمُّ إلى أصلٍ ثُمَّ تَنتَشِرُ عنه وتَبقى مُعَلَّقةً بِه، فالمِثلُ نَظيرٌ يوضَعُ بِإزاءِ صاحِبِه لِيُقاسَ بِه، لا هو صاحِبُه. ولم يُطلَبْ إتيانُ القُرآنِ نَفسِه، إذ هو حاضِرٌ يُتلى، وإنَّما طُلِبَ ما يوقَفُ إلى جانِبِه.

و«هذا» تُشيرُ إلى مَسموعٍ بَينَ يَدَيِ القَومِ في الحال، فالمَقيسُ عَلَيه مَتلُوٌّ يُسمَع، وليسَ غائِباً يوصَف، والنَّظيرُ يوضَعُ إلى جانِبِ ما يُسمَعُ الآن.

«لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ»: جَوابٌ يَنزِلُ قَبلَ المُحاوَلة

والجَوابُ يَأتي بِلا فاصِل، فلا انتِظارَ ولا مُهلةَ ولا «فلْيَفعَلوا ثُمَّ نَنظُر»، ويُفرَضُ الاجتِماعُ ويُذكَرُ أثَرُه في نَفَسٍ واحِد.

وجاءَ النَّفيُ بِـ«لا» على المُضارِع، لا بِـ«لن»، فالخَبَرُ تَقريرُ حالٍ قائِمةٍ، ولا يَقِفُ عِندَ قَطعِ مُستَقبَل: هكذا الأمرُ كُلَّما فُرِض.

ومَحَلُّ النَّظَرِ ما صارَ إلَيه اللَّفظ، فقد كانَ في الشَّرطِ بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ مَبسوطاً بِاسمِه وإشارَتِه، فلَمّا جاءَ الجَوابُ انكَمَشَ إلى ضَميرٍ واحِد: بِمِثْلِهِ، فالطَّلَبُ يُقالُ بِطولِه، والرَّدُّ يُقالُ بِحَرف.

«وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا»: زيادةٌ تُضافُ بَعدَ أن أُغلِقَ الباب

والجَوابُ قد تَمَّ، ثُمَّ زيدَ عَلَيه، و«لو» هُنا لِأقصى ما يُتَصَوَّر، فالجَوابُ لا يُنقَضُ ولو بَلَغَ الفَرضُ غايَتَه.

وليسَ الزّائِدُ عَدَداً، فالجَمعُ قد وَقَعَ في أوَّلِ الآيةِ فاستَوفى العَدَدَ كُلَّه، ولم يَبقَ ما يُزادُ من ذلك الوَجه، والذي زيدَ هو الإسناد: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، أي كُلُّ جُزءٍ لِكُلِّ جُزء، إسناداً مُتَبادَلاً لا يَشِذُّ عنه واحِد.

وظَهِيرًا من ظ-ه-ر، وأصلُ الجِذرِ الطَّبَقةُ التي تَغشى الشَّيءَ وتَمتَدُّ على وَجهِه، تَحجُبُ ما تَغشاه ويَليها فَراغٌ مَكشوف، ومِنه الظَّهرُ، وهو الجِهةُ العَريضةُ التي يُوَلّيها الإنسانُ ما خَلفَه فلا يَراها هو ويَستَنِدُ إلَيها غَيرُه، فالظَّهيرُ ظَهرٌ يُعار. واجتِماعُ الجُموعِ شَيء، وأن يُلصِقَ كُلُّ واحِدٍ ظَهرَه بِظَهرِ صاحِبِه فلا يَبقى فيهِم مَكشوفٌ شَيءٌ آخَر، والجَوابُ واحِدٌ في الحالَين.


حَصيلة

قَولٌ مَأمورٌ بِه، ثُمَّ لامُ يَمينٍ تَسبِقُ الشَّرطَ فتُثَبِّتُ جَوابَه قَبلَ أن يُقال. والفَرضُ أوسَعُ ما يُفرَض، فهو صِنفانِ يُجمَعُ فيهِما ما يُرى وما لا يُرى، ويَجمَعانِ نَفسَيهِما بِصيغةِ افتَعَلَ لا يَسوقُهُما سائِق، ومادّةُ ج-م-ع تَكَتُّلٌ مُتَلاصِقٌ يُقبَضُ عَلَيه فيَلتَحِم. و«على» تُعطي هذا الالتِحامَ مَقصِداً، والمَقصِدُ إتيانٌ بِالباء، أي مَجيءٌ يَحمِلُ، لا كَلامٌ يَصِف. والمَحمولُ بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ، والمِثلُ نَظيرٌ يوقَفُ بِإزاءِ أصلِه ويَبقى مُعَلَّقاً بِه، والمُشارُ إلَيه مَتلُوٌّ يُسمَعُ لا غائِبٌ يوصَف. ثُمَّ يَنزِلُ الجَوابُ في الحالِ بِـ«لا» المُقَرِّرة، وقد انكَمَشَ فيه الطَّلَبُ الطَّويلُ إلى ضَميرٍ واحِد. ثُمَّ تُضافُ بَعدَ إغلاقِ البابِ زيادةٌ لَيسَت في العَدَد، وهي أن يَصيرَ كُلُّ بَعضٍ ظَهراً لِبَعض، والظَّهرُ طَبَقةٌ تَغشى الشَّيءَ وتَمتَدُّ على وَجهِه. فقد جُمِعَتِ الأعدادُ فلم تَكفِ، وأُسنِدَتِ الظُّهورُ إلى الظُّهورِ فلم تَزِدْ شَيئاً.