البقرة · الآية 161

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ: ماضٍ (فِعل) + ماضٍ (خاتمة) + جملة حاليّة اسميّة (استقرار)

هذه الآية تُستَكمَل في سياق اللَّعن الذي بَدَأ في 159، ومَبناها على ثلاث مُكَوِّنات متتالية: الأوّل فعلٌ ماضٍ كَفَرُوا يَحكي الفعل، والثاني فعلٌ ماضٍ مَاتُوا يَحكي خاتمته، والثالث جملة حاليّة اسميّة وَهُمْ كُفَّارٌ تُقَيِّد الموتَ بالحال المُقارِن. ودور هذه الجملة الحاليّة جَوهريّ، فبدونها يَبقى بابُ استثناء التَّوبة الذي فَتَحَته الآية 160 بعد لَعنِ 159 واسِعاً، فلا تُخصَّ طائفة بعينها بالحُكم النهائيّ. وبإضافة وَهُمْ كُفَّارٌ يَتَحَدَّد المَعنيّون بالآية النهائيّة بمَن كَفَر ومات وهو ما زال على الكُفر، دون كلّ من كَفَر. والفرق عن الآية السابقة صِياغيٌّ دقيق، فهناك بُنِيَت على المضارع يَكْتُمُونَ المُستمرّ القابل للاستثناء، وهنا على المَوت في الكُفر الذي لا يَقبَل بعد وُقوعه تَحَوُّلاً. وكُفَّارٌ خَبَرٌ جاءَ جَمعَ تَكسيرٍ لكافرٍ على فُعَّال، في جملةٍ اسميّةٍ تُفيد الثُّبوت، والمعنى أنّهم ماتوا في ذُروة الكِتمان لا في هامشه.

أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ: اسم لا فعل، وإضافة مُباشِرة تُفيد الاستقرار

في 159 قِيل: يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ بالفعل المضارع، وهنا عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ بالاسم والإضافة، والفرق بين الصيغتَين قانونيّ: الفعل يَصف حركةً تَتَجَدَّد، فقد تَتَوَقَّف بتَوَقُّف سَبَبها (وهذا ما أَنتَجَ استثناءَ 160)، والاسم المُضاف لَعْنَةُ اللَّهِ يَصف حالةً استَقَرَّت وأَصبَحَت جُزءاً من وَصفهم الثابت، لا يَتَغَيَّر بعد تَثَبُّتها. وتَقديم الجارّ والمجرور عَلَيْهِمْ على المُبتَدأ لَعْنَةُ اللَّهِ يُفيد الاختصاص، أي عليهم بالذات لا على غيرهم. و«على» هنا غير «على» التي جاءت في 157 عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ، فهي هناك لتَغشية الرحمة، وهنا لِحَمل الحِمل، فاللَّعنة مَحمولةٌ على أكتافهم لا تُفارقهم. وفي هذا التَّقابُل الدقيق في استعمال الحرف نفسه مع مَفعولَين مُختلفَين كَشفٌ لِما تَحمله «على» من طاقةٍ مَعنَوِيَّة تَنضَبِط بالسياق.

وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: ثُلاثيّة المُتَضَرِّرين لا تَصاعُد العقوبة

وكان الفاعلان في 159: اللهُ واللَّاعنون، وهم هنا في 161 ثلاثة: الله، والملائكة، والناس أجمعين. والفرق أنّ الاسم في 159 جاء مُبهَماً ليَشمل كلّ قادر، ولم تَحصُر الآية اللاعنين، أمّا 161 فحَصَرَت الجهات الثلاث: الله (مصدر الرحمة المَقطوعة)، والملائكة (القُوى الإلهيّة المُنَفِّذة لسُنَن الرحمة في الكَون)، والناس (المُتَلَقّون الذين حُرموا من البيان). والثلاثة خارطةٌ ثلاثيّة للمُتَضَرِّرين، وليست تَصاعُداً في شِدّة العقوبة، فالمَصدَرُ ضَرَّه الكَتم لأنّه عَطَّل مُراد الله من إنزال البيان، والمَلائكةُ ضَرَّها لأنّها كانت مُوَكَّلَةً بإيصال الرحمة فلم تَجد قَلباً يَستَقبِلها، والناسُ ضَرَّهم لأنّهم حُرِموا من الهُدى. ثمّ أَجْمَعِينَ تأكيدٌ يَشمل الناسَ كلَّهم، لا الذين كَتَم منهم خاصّةً، لأنّ كَتم الحقّ في طَبقةٍ يَسري ضَرَرُه إلى كلّ الطبقات اللاحقة التي تَرِث الكَتم.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: اللَّعنة هنا دَورُ الكاتم الذي اختارَ الكَتمَ حتى الموت، فاستَحَقَّ أن يُعرَف به ثابتاً، وليست عقوبةً مَفروضةً من الخارج: صِلَتُه بالرحمة منقَطِعة، والمُتَضَرِّرون من كَتمه جميعاً في الكَون يَشهدون على انقطاعها.


حَصيلة

تَحسِمُ الآيةُ حالَ من ثَبَتَ على الكِتمانِ (ك-ف-ر) حتّى آخِرِ العُمُر وماتَ وهُم كُفّار، وقد جاءَ الوَصفُ في جملةٍ اسميّةٍ حاليّةٍ تُفيدُ الثُّبوت، فيُشير إلى ذُروةِ الكِتمانِ لا هامِشه. والفارِقُ بينَ هذه الآيةِ والتي قَبلَها هو المَوتُ قبلَ المراجعة، فآيةُ الاستِثناءِ (160) فتَحَت بابَ التَّوبةِ بثَلاثَةِ شُروط، وهذه الآيةُ تُقفِلُ ذلك البابَ إلى الأبَد لمن ماتَ على التَّغطية. والطَّردُ من دائِرَةِ الرَّحمَة (ل-ع-ن) يَتوالى من ثَلاثِ جِهاتٍ هي خارِطةٌ لمن يَتَضَرَّر، وليسَت تَصاعُداً في الشدَّة: المَصدَرُ الذي عَطَّلَ مُرادَه الكَتمُ، والمَلائِكَةُ القُوى المُوَكَّلَةُ بإيصالِ الرَّحمَة التي لم تَجِد قَلباً يَستَقبِلُها، والنّاسُ الذين حُرِموا من الهُدى. فَاللَّعنةُ هُنا انقِطاعُ صِلَةٍ بِالرَّحمةِ ثَبَتَ عَلَيهِ صاحِبُهُ حتّى المَوت، لا عُقوبَةٌ طارِئَةٌ من خارِج، ومَن غَلَّقَ الحَقَّ على غَيرِه انعَقَدَت عَلَيهِ صِفَةُ الطَّرد.