البقرة · الآية 9

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

«يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا»: مَن يُخدَع ومَن لا يُخدَع

الخِداعُ في جذره (خ د ع) = إنشاءُ فراغٍ مخفيٍّ يُظهرُ غيرَ ما فيه: تجويفٌ باطنيٌّ يُقدَّمُ للخارج بسطحٍ مغاير. والآيةُ تذكُرُ ثلاثة أطراف: اللهَ، والذين آمنوا، وأنفُسَهم. أُقِرُّ أوّلاً أنّ اللهَ لا يُخدَع لأنّه يَعلمُ السرَّ وأخفى، فلا يَبلُغُه من الفَتحةِ الظاهرةِ شيءٌ إلّا وهو يَرى من الفَتحةِ الخلفيّةِ أضعافَه؛ وصيغةُ «يُخادعون» (مُفاعَلة) تُشيرُ إلى فِعلٍ يَتَوَهَّمُ صاحبُه أنّه يُواجِهُ طرفاً يَنخدِعُ، والله ليسَ طَرَفاً في هذه المُفاعَلةِ كما يَتَوَهَّم. والذين آمنوا قد يَنخدعون بالظاهر إلى حين، حتى يَنزلَ الوحيُ فيَفضحَ المُضمَر، كما سيَتتابعُ في آياتٍ لاحقة. ويَبقى ثِقَلُ الخدعة راجعاً على المنافق نفسِه: من قالَ بلسانه ما لا يَصنعُه في جوفه، خَدَّ في بِنائه الداخليّ حُفرةً لا تُملأُ بادّعاءٍ جديد.

«وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ»: كلُّ كذبةٍ تُزيلُ طبقةً من الأمان

الإيمانُ عندي درجاتٌ ومستوياتٌ لا مرتبةٌ واحدةٌ ثابتة، ومن هنا قولُه تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾: دعوةٌ لمن بَدأ الأمانَ أن يُجدِّدَه. والمنافقُ لا يَخدعُ اللهَ ولا المؤمنين بقدرِ ما يَخدعُ نفسَه: كلَّ مرّةٍ يقولُ «آمنّا» كَذِباً، يُزيلُ طبقةً من طبقات أمانِه الداخليّ بدلَ أن يُضيفَها، فيتراجعُ إيمانُه القلبيُّ لا إلى الاكتفاء بما عنده، بل إلى إفقادِه. وصيغةُ الحَصرِ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ تَقلِبُ توَهُّمَ المنافق: كانَ يَظنُّ أنّ طَرَفَي فعلِه خارجٌ عنه (الله، المؤمنون)، فإذا بالنَّصِّ يُصرِّحُ أنّ الطَّرَفَ الحقيقيَّ في المُقابَلةِ هو نفسُه. والمقابلُ القرآنيُّ لهذا الانحدار قولُه وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾: الطاعةُ تُعيدُ بناءَ الأمانِ الذي فَقَدَه النفاقُ طبقةً طبقة.

«وَمَا يَشْعُرُونَ»: الشعور (ش ع ر) حاسّةٌ تُعطَّل بالمرض

الشعورُ في جذرِه (ش ع ر) = إدراكٌ دقيقٌ يَنبعُ من العمق ويَمتدُّ إلى الوعي؛ ومنه الشِّعرُ إحساساً رهيفاً، والشَّعرُ خيوطاً رقيقةً تَمتدُّ من الباطن. وقولُه وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وصفٌ لعُطلِ هذا الجهاز: مرضُ القلب يُضعفُ الحاسّةَ التي كانت ستُخبرُه بوجود المرض. فكلُّ تغطيةٍ جديدةٍ تُقلّلُ الشعورَ بأنّه يُغطّي، حتى يَستيقظَ يومَ الدين على حقيقةِ ما كان يفعلُ دون أن يَعلم. أؤكّدُ هنا أنّ النفاقَ بنيةُ ذاتٍ ذاتِ مَعبَرَين، لا تُهمةٌ أخلاقيّة؛ والإيمانُ فعلُ أمانٍ يُصنَع، لا بطاقةُ هويّةٍ تُحمَل. فالكلمةُ تسبقُ المصطلح، والدورُ يسبقُ الهويّة.


حَصيلة

الخِداعُ في جذرِه (خ-د-ع) إنشاءُ تَجويفٍ باطنيٍّ يُقدَّمُ للخارِجِ بِسَطحٍ مُغاير: حُفرةٌ يَحفِرُها المُنافِقُ في نَفسِه كُلَّما قالَ ما لا يَفعَل. والمُبادَلةُ ثُلاثيَّةُ الأطراف؛ اللهُ لا يُخدَعُ إذ يَرى الفَتحَتَين في آنٍ واحد، والذينَ آمَنوا قد يَنخدِعون إلى حين، أمّا الطَّرَفُ الحقيقيُّ المُقابِلُ في هذه المُفاعَلةِ فهو النَّفسُ ذاتُها: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾. وكلُّ كَذبةٍ تُزيلُ طَبَقةً من الأمانِ الداخليِّ بدلَ أن تُضيفَها، إذ الإيمانُ مُستوياتٌ تَتَراكَمُ لا مَرتَبةٌ ثابِتة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ دَعوةٌ لِمَن بَدَأ الأمانَ أن يُجَدِّدَه. والعَطَبُ الأعمقُ هو وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: الشُّعورُ (ش-ع-ر) إدراكٌ دقيقٌ يَنبُعُ من العُمقِ كالشَّعرِ الرَّقيقِ الممتَدِّ من الباطن، وهو أوَّلُ ما تُعَطِّلُه تَغطيةٌ طالَت؛ فمرضُ القلبِ يُضعِفُ تَحديداً الحاسَّةَ التي كانَت ستُخبِرُه بوُجودِ المَرَض. هذه الآيةُ إذاً ليست توبيخاً بل تَشخيصاً: الخَداعُ تَآكُلٌ داخليٌّ مُتَواصِل، والشُّعورُ جِهازُ الرُّؤيةِ الذي يُعطَّلُ بالمَرَضِ قَبلَ أن يُرفَعَ الغِطاءُ الأخير.