البقرة · الآية 11

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

«لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ»: الإفسادُ (ف س د) كَسْرُ البنية، والإصلاحُ (ص ل ح) إعادةُ الوظيفة

الجذرانِ في الآية مُتقابلانِ تَقابُلَ بِنيةٍ ببِناء: فأصلُ (ف س د) كَسْرُ بِنيةٍ كانت تَعملُ كوحدة، ومدارُ (ص ل ح) على إعادةِ الشيءِ إلى صلاحِيَّتِه ووظيفتِه. والمرادُ بالإفسادِ في الأرض إخراجُ ما خُلقَ لوظيفةٍ عن تلك الوظيفة، ولا يقفُ عند انتشارِ المعصية: فسادُ اعتقاد، وتفريقُ مؤمنين، وموالاةُ مَن يَنقضُ العهد. والإصلاحُ هو الفعلُ المضادّ، أي إعادةُ الجماعة إلى ما جُعلَت له، وإعادةُ الاعتقادِ إلى استقامتِه. فالخطابُ هنا قراءةٌ لما تَفعلُه الذواتُ في البِنية التي هي جزءٌ منها، وليس تُهمةً شخصيّة.

«فِي الْأَرْضِ»: مَسرحُ الفِعلِ بِنيةٌ مُشتركَة، لا فَضاءٌ خاصّ

يُوجِّهُ النَّهيُ الفِعلَ إلى «الأرض»، أي إلى البِنيةِ الحاضنةِ للجميع: الاقتصادِ، والقَرابةِ، والعَهدِ، والأمنِ العامّ. وفي هذا التَّوجيهِ دليلٌ على أنّ القرآنَ يَقرأُ الإفسادَ أثراً في بِنيةٍ عامّةٍ يَدفعُ ثَمَنَه مَن لم يَفعَلْه، ولا يَقرؤُه فِعلاً شخصيّاً تَقتصرُ تَبِعاتُه على صاحبِه. ولذلك يَنهى القرآنُ عن الفِعل قبل أن يَحكُمَ على الفاعل، فالنَّهيُ «لا تُفسِدوا» سابقٌ لوَصفِهم بالمُفسِدين، لأنّ الأصلَ في الخطاب تَعديلُ السُّلوك، لا تَعلِيقُ الوَسم.

«إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ»: مُفسِدٌ يَظُنُّ نفسَه مُصلِحاً

و«إنّما» في الآية أداةُ حَصرٍ يُلقيها المنافقون على لسانهم، والمعنى: نحن مُصلِحون، لا سِوى ذلك. وهذا أَخطرُ وجوهِ الإفساد، أعني مُفسِداً لا يَرى أنّه مُفسِد، فلا يَكُفُّ عن فعله ولا يَقبلُ النصيحة. وجاءَ الجوابُ بصيغةِ الجَمع («نَحنُ مُصلِحون») دونَ صيغةِ الفَرد، فالذاتُ المُنافِقةُ تَحتَمي بِجماعةٍ مُتَوَهَّمةٍ تُصدِّقُ نفسَها بِصوتٍ واحد، فتُغلِقُ على داخِلِها طريقَ النَّقد. وصيغةُ «مُصلِحون» (اسمُ فاعلٍ ثابت) تَزعُمُ ثَباتَ الصِّفة، وجَودةُ الفِعلِ خارجةٌ عن زعمِها، وهنا تَنقلبُ الكلمةُ مُصطلحاً يُحتَمى به، والفِعلُ الذي كان ينبغي أن تَدُلَّ عليه الكلمةُ غائب. فالكلمةُ تسبقُ المصطلح، والدورُ يسبقُ الهويّة.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ جذرَين مُتَقابِلَين في مَيدانٍ واحِد: ف-س-د، وهو كَسرُ بِنيةٍ كانَت تَعمَلُ كَوَحدة، وص-ل-ح، وهو إعادةُ الشَّيءِ إلى صَلاحِيَّتِه ووَظيفتِه. فالإفسادُ في الأرضِ إخراجُ ما خُلِقَ لِوَظيفةٍ عن تلكَ الوَظيفة، زائدٌ على المَعصيةِ الفَرديَّة: فَسادُ اعتِقادٍ وتَفريقُ جَماعةٍ وإطفاءُ دَورٍ مُشتَرَك. والنَّهيُ يَسبِقُ الحُكمَ على الفاعِل، فجاءَ «لا تُفسِدوا» أوَّلاً، لأنَّ الهَدَفَ تَعديلُ السُّلوكِ لا تَعليقُ الوَسم. ثمَّ جاءَ جَوابُهم مُفاجِئاً: «إنَّما نَحنُ مُصلِحون». وأداةُ الحَصرِ «إنَّما» أخطَرُ ما في الجَواب، لأنَّها تَسُدُّ على الذَّاتِ باباً كانَ مَفتوحاً للتَّصحيح، فهي ذاتٌ تُغلِقُ على نَفسِها كلَّ احتِمالٍ آخَرَ لِتَسمِيةِ فِعلِها، ومَن لا يَرى أنّه مُفسِدٌ لا يَكُفُّ عن فِعلِه. واسمُ الفاعِل «مُصلِحون» (ثابِتُ الصِّفة) يَزعُمُ رُسوخَ الوَصفِ لا جَودةَ الفِعل، فتَنقَلِبُ الكَلِمةُ مُصطَلَحاً يُحتَمى به، والفِعلُ الذي كانَت تَدُلُّ عليه غائب، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيَّة، والإصلاحُ اسمٌ لفِعلٍ يُصنَع، وليس شِعاراً يُرفَع.