البقرة · الآية 12

﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

«أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ»: قَفلُ الحَصرِ بإعلانٍ إلَهيّ

جاءَ ردُّ القرآن بنقضٍ قاطع: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. وأداةُ «ألا» تنبيهٌ يَسبقُ الخَبر، يُلقي على السامعِ استعداداً لِتَلقّي نَقضٍ لِما قِيلَ قَبل. ثمّ ضميرُ الفصل «هُم» بعد «إِنَّهُم» يُثبتُ الصفةَ لهم دون غيرهم، ويَنفي عنهم ادّعاءَ الإصلاح. و«إنّما» التي قالوها في الآية السابقة هي بذاتِها أداةُ حَصر، وقد استعملت الآيةُ هنا أداةَ حَصرٍ مُضادّة، فحَصرُهم لِأنفُسِهم في الإصلاحِ يُقابلُه حَصرٌ إلَهيٌّ يَحصُرُهم في الإفساد. وحين يَتَقابَلُ حَصرانِ يَرجَحُ الحَصرُ الذي يَستندُ إلى عِلمِ الحقيقةِ على الحَصرِ الذي يَصدرُ عن ذاتٍ مَريضة.

«وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ»: تَلَفُ الحاسّة، والميزانُ يَقيسُ الفعلَ لا الخطاب

و«لا يَشعُرون» تشخيصٌ دقيقٌ، وليس توبيخاً عابراً. والشعورُ من (ش ع ر)، وهو الإدراكُ الرقيقُ الذي يَنبعُ من العمق ويَمتدُّ إلى الوعي، وهو أثمنُ أدواتِ الإرادةِ الحرّة في رؤية الذاتِ لنفسها. ومَن أتلفَ هذه الأداةَ باستمرار التغطية لم يَعُد قادراً على التمييز بين ما يُفسدُ وما يُصلِح، فصارَ يُسمّي إفسادَه إصلاحاً وهو يَحسَبُ نفسَه صادقاً. وعلى هذا قامَ ميزانُ يوم الدين، فهو يَقيسُ الفعلَ دون الخِطاب، ولا يَنفعُ المرءَ فيه أن يَدَّعيَ نشرَ خيرٍ وهو يَكسِرُ البِنى، ولا أن يَصِفَ نفسَه بما تَنفيه آثارُه. فالإصلاحُ اسمُ فعلٍ يُصنَع لا شعارٌ يُرفَع، والإفسادُ اسمُ أثرٍ يُقاس لا تُهمةٌ تُلصَق. فالكلمةُ تسبقُ المصطلح، والدورُ يسبقُ الهويّة.

«وَلَٰكِن»: حَرفُ الاستدراكِ، وفَصلُ الوَصفِ عن العِقاب

و«لكن» حَرفُ استدراكٍ يَصِلُ ما بَينَ خَبَرَين مُتَقابِلَين، فهم مُفسِدون في المَوضوع، غيرُ شاعِرين بذلك في الذَّات. وهذا الاستِدراكُ يَفصلُ بين قِسمَين في الحُكم: القِسمُ الأوّل (كَونُهم مُفسِدين) مَوضوعٌ مُعلَنٌ تَصِحُّ نِسبَتُه إليهم في الدُّنيا، والقِسمُ الثاني (عَدمُ شُعورِهم) وَصفٌ لِحالَتِهم الداخليّة يُفسِّرُ لِماذا لا يَنفعُ النُّصحُ العاديُّ فيهم. وقد سَبَقَ أنّ الكتابَ يَقرأُ الفاعِلَ في دورِه لا في ذاتِه، والآيةُ هنا تَفصِلُ بوُضوح بين الحُكمِ على الفِعل (إفساد) والتَّشخيصِ للحاسَّة (عَطب)، وكِلاهُما يُوَجِّهُ إلى عِلاجٍ مُختلف: فالأوّلُ يَستَدعي إيقافَ الفِعلِ في الأرض، والثاني يَستَدعي إعادةَ بناءِ الحاسَّةِ الداخليّة.


حَصيلة

ادَّعَوا في الآيةِ السَّابِقةِ الحَصرَ بِـ«إنَّما»، فَجاءَ الرَّدُّ بِحَصرٍ مُضادٍّ مُحكَم: «ألا» تَنبيهٌ يُهيِّئُ لِنَقضِ ما سَبَق، و«إنَّهم هُم» ضَميرانِ مُتَراكِبانِ يَقفِلانِ الوَصفَ عليهم وَحدَهم. وحينَ يَتَقابَلُ حَصرانِ يَرجَحُ الحَصرُ الذي يَستَنِدُ إلى عِلمِ الحَقيقةِ على الحَصرِ الصَّادِرِ عن ذاتٍ مَريضة. ثمَّ جاءَ الاستِدراكُ بِـ«ولَكن» فَصلاً بَليغاً بَينَ قِسمَين: حُكمٍ مَوضوعيٍّ على الفِعلِ (إفسادٌ في الأرض)، وتَشخيصٍ لِلحاسَّةِ الداخليَّةِ (لا يَشعُرون). والشُّعورُ من (ش-ع-ر) إشعاعٌ دَقيقٌ يَنبُعُ من العُمقِ ويَمتَدُّ إلى الوَعي، وهو أثمَنُ أدواتِ الإرادةِ الحُرَّةِ في رُؤيةِ الذَّاتِ لِنَفسِها، ومَن أتلَفَ هذه الأداةَ باستِمرارِ التَّغطيةِ لم يَعُد قادِراً على التَّمييزِ بَينَ ما يُفسِدُ وما يُصلِح، فَيُسَمِّي إفسادَه إصلاحاً وهو يَحسَبُ نَفسَه صادِقاً. وعلى هذا يَقومُ ميزانُ يَومِ الدِّين، فهو يَقيسُ الفِعلَ دونَ الخِطاب، ولا يَنفَعُ فيه ادِّعاءُ الإصلاحِ وآثارُه خَراب، والكَلِمةُ التي تَسبِقُ المُصطَلَحَ تَفسُدُ حينَ لا يُحَرِّكُها الفِعل.