البقرة · الآية 13
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«السُّفَهَاء»: السَّفَه (س ف ه) خِفّةٌ لا تستقرّ
السَّفَهُ في جذره (س ف ه) ليس جهلاً بمعلومة، بل خِفّةٌ تَجعلُ الشيءَ يَتأرجَحُ ولا يَستقِرّ. ومنه تَسميةُ العرب «الشجرةَ السَّفيهة» للشجرة التي تَتحرَّكُ أوراقُها لأقلِّ ريح. فالسَّفيهُ مَن لا ثِقَلَ داخليٌّ يُثبِّتُه، لا مَن قَصُرَ عنه فَهمُ دَلالة. والمنافقون حين قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ عكسوا معنى الثقل في الميزان: ظنّوا أنّ الذي يُطيعُ دون شرطِ الفهم المُسبَق خَفيفٌ، والذي يَربِطُ الفعلَ بالمصلحة الآنيّة ثَقيل. والحقُّ نقيضُ هذا: الذي بَنى على الأمان الأوّل بلا شرط هو الأَرسى، لأنّ مَرجِعَه ثابتٌ لا يَتبدّل؛ والذي يَربطُ فعلَه بفَهمِه المُتَقلِّب هو الأَخَفّ، لأنّ مَرجِعَه يَتبدَّلُ بتبدُّل لحظته.
«أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ»: رَدُّ الوصفِ ومَقلوبيّةُ الميزان
الردُّ القرآنيُّ يَبدأُ بأداتَي استفتاحٍ وتوكيدٍ متتاليتَين: «أَلَا» للتنبيه، و«إِنَّ» للتوكيد، ثمّ ضميرُ الفصل «هُمْ» ليَحصرَ الصفةَ عليهم. ثلاثُ طبقاتٍ من التثبيت لما نَفَوه عن أنفسهم. فالذي يَصِفُ ثابتَ الأمان بالسَّفَه هو نفسُه السَّفيه، لأنّ جِهازَ الحُكم في داخله مَقلوب: يَقيسُ الرَّزينَ بميزانه الخفيف، فيَراه خَفيفاً. وهذه مَقلوبيّةٌ في الميزان لا في الموصوف، فتَرتدُّ التُّهمةُ على قائلها لا بتَعيِيرٍ من خارج، بل بأثرٍ طبيعيٍّ من داخل: مَن أخَذَ الخِفّةَ معياراً سَمّى ثِقَلَ الآخرين خِفّة.
«وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ»: العلم (ع ل م) ما يَطفو من العمق ويَستقرّ
«لا يَعلَمون» هنا أَدَقُّ من «لا يَشعُرون» في الآية السابقة. الشعورُ حاسّةٌ باطنة، والعلمُ في جذره (ع ل م) = ما يَطفو من العمق فيَتجمَّعُ ويَلتصقُ بالعقل: إدراكٌ يُنتِجُ فِعلاً، لا معلومةٌ تُخزَّن بلا أثر. فالمنافقون يَملكون معلوماتٍ كثيرةً عن النبيّ ﷺ وصِدقِه، بل يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ومع ذلك قالَ عنهم الحقّ «لا يَعلَمون»، لأنّ العلمَ الحقيقيَّ ما أنتجَ عملاً مطابقاً، وهم لم يُنتجوا إلّا ما يُناقضُ ما عَرَفوا. ولذلك يَبقى يومُ الدين ميزاناً يَقيسُ العلمَ بأثَرِه في الفعل، لا بحجمه في الذاكرة. فالكلمةُ تسبقُ المصطلح، والدورُ يسبقُ الهويّة.
حَصيلة
السَّفَهُ (س-ف-ه) في جَوهَرِه خِفَّةٌ تَجعَلُ الشَّيءَ يَتَأرجَحُ ولا يَستَقِرّ: الشَّجَرةُ التي تَتَحَرَّكُ أوراقُها لأقَلِّ نَسيمٍ يُقالُ لها شَجَرةٌ سَفيهة. فحينَ وَصَفَ المُنافِقونَ أصحابَ الأمانِ الثَّابِتِ بالسَّفاهة، كَشَفوا مَقلوبيَّةَ ميزانِهم: مَن يَربِطُ فِعلَه بمَصلَحتِه الآنيَّةِ المُتَقَلِّبة هو الخَفيفُ حَقيقةً، أمَّا مَن بَنى على عَهدٍ ثابِتٍ مِن أوَّلِ لَحظةٍ ومَشى في ضَوئِه فهو الرَّزين. ولذلك جاءَ الرَّدُّ بِثَلاثِ طَبَقاتٍ تَنبيهيَّة: «ألا» فتَحٌ يُهيِّئُ، «إنَّ» توكيدٌ، «هُم» ضَميرُ فَصلٍ يَقفِلُ الصِّفةَ على قائِليها. ثمَّ يَتَحَوَّلُ الختمُ من «لا يَشعُرون» (الآية 9) إلى «لا يَعلَمون»: فالشُّعورُ حاسَّةٌ باطِنة، والعِلمُ (ع-ل-م) ما يَطفو من العُمقِ فيَتَجَمَّعُ ويَستَقِرُّ في العَقلِ مُنتِجاً فِعلاً مُطابِقاً؛ والمُنافِقون يَملِكون مَعلوماتٍ وَفيرةً بَل يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ لَكنَّ هذه المَعلوماتِ لم تُنتِج فِعلاً مُطابِقاً فلم تَكُن عِلماً؛ وأمَّا يومُ الدِّين فيَقيسُ العِلمَ بِأثَرِه في الفِعلِ لا بِحَجمِه في الذَّاكِرة.