البقرة · الآية 55

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

«لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى»: قَلبُ تَرتيبِ الأَمان في جذر (أ م ن)

«نُؤمِن» من جذر (أ م ن)، ومَعناها «نُعطي الأَمان، نَثِقُ بِمُخبِرِنا»، وهي غَيرُ «نَعتَقِد». فالبِنيَةُ التي يَشتَغِلُ عليها الخِطابُ النَّبَويُّ هي بِنيَةُ الثِّقَة: يَحمِلُ المُرسَلُ خَبَراً، فَيَمنَحُه السّامِعُ أَمانَه فَوقَ الخَبَر، فَيُصَدِّقُه لِقَبولِه الحامِلَ قَبلَ المَحمول، لا لِرُؤيَتِه إيّاه بِعَينِه. وقَولُهم لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى﴾ يَقلِبُ هذه البِنيَة، إذ يَجعَلُ الرُّؤيَةَ شَرطاً سابِقاً لِلأَمان، فَيَطلُبُ ثَمَرَ الثِّقَةِ قَبلَ أَن تُغرَسَ. ولذا كانَتِ المُشكِلةُ في تَحويلِ الأَمانِ إلى مُقايَضَة، ولم تَكُن في السُّؤالِ عَن آيةٍ، ولِسانُ هذه المُقايَضَة: لا أُعطيكَ ثِقَتي إلّا بَعدَ أَن تَدفَعَ لي رُؤيَةً مُباشِرَةً لِما هو غَيبٌ بِطَبعِه.

«جَهْرَةً»: الجذر (ج ه ر) يُوضِحُ لماذا الطَّلَبُ مُستَحيلٌ بِنيَويّاً

و«جَهرَة» من جذر (ج ه ر)، وهو بُروزٌ في الفَراغ مَكشوفٌ مُستَرسِل، أي ظُهورٌ صَريحٌ بِلا حِجاب. وطَلَبُ رُؤيَةِ اللهِ «جَهرَةً» طَلَبٌ لِأَن يَقَعَ الغَيبُ في مَوقِعِ السَّطح، وأَن يَنقَلِبَ ما هو باطِنٌ مُمتَدٌّ قابِلٌ لِلظُّهور (غ ي ب) إلى بُروزٍ مَكشوفٍ مُستَرسِل (ج ه ر). وهذا خِلافٌ في بِنيَةِ الوُجودِ نَفسِها، وليسَ خِلافاً في الأَدَبِ وَحدَه، والذّاتُ الإلهيَّةُ لا تُدرَكُ بِصيغَةِ (ج ه ر)، لأنَّ ذلك يَفتَرِضُ أَنَّها كَتلَةٌ في الفَضاءِ تَقَعُ عَلى شَبَكيَّةِ العَين. فالطَّلَبُ يَطوي مَحَلَّه قَبلَ أَن يَصِلَ إلى جَوابِه، كَمَن يَطلُبُ أَن يَرى النُّورَ في عَتمَةٍ مَطبِقَةٍ هو نَفسُه يَحمِلُها.

«فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ»: الجذر (ص ع ق) رَدٌّ بُنيَويٌّ لا إراديّ

و«صاعِقَة» من جذر (ص ع ق)، ومَعناه قُوَّةٌ صَلبَةٌ تَظهَرُ من العُمقِ بِقُوَّةٍ مُضاعَفَة، وهي ضَربَةٌ تَنفُذُ من الباطِنِ إلى السَّطحِ فَتُسقِطُ الحِسّ. ولفظُ «أَخَذَتكُم» يَنقُلُ الفاعِليَّةَ إلى الصّاعِقَةِ نَفسِها، كَأنَّ مُؤَدّى الآيَةِ «جاءَ الرَّدُّ من جِنسِ الطَّلَب»، دونَ «أَنزَلنا عَلَيكُم عِقاباً». فلَمّا طَلَبوا الإِظهارَ الكامِلَ للباطِنِ بِقُوَّةِ العَين، جاءَتْهُم قُوَّةُ الباطِنِ نَفسُها فَأَسقَطَتْ حَواسَّهُم. فالصّاعِقَةُ هي ما يَحدُثُ حينَ يُوضَعُ طَلَبٌ خارِجَ بِنيَةِ ما هو مَطلوب، والبِنيَةُ نَفسُها تَرُدُّ بِسُنَّتِها، والصّاعِقَةُ لَيسَت ضَربَةً اعتِباطيَّةً مُرسَلَةً من فَوق.

«وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ»: الجذر (ن ظ ر) يُبقي الصّورَةَ مَفتوحَةً

و«تَنظُرون» من جذر (ن ظ ر)، ومادَّتُه اختِراقٌ بَصَريٌّ لِلكَثيفِ مُمتَدّ، لا يُكتَفى فيه بِالرُّؤيَةِ العامّة. وأوثِرَ «وَأَنتُم تَنظُرون» على «وَأَنتُم تَرَون»، فالكَلِمَةُ تَصِفُ المَشهَدَ لَحظَةَ الضَّربَة: العَينُ لا تَزالُ في مَوقِعِ المُحاوَلَةِ، تَحفُرُ وتُنَقِّبُ، والصّاعِقَةُ تَنزِلُ عَلَيها وهي في هذا الوَضعِ بِالذّات. وفي هذا تَأكيدٌ بُنيَويٌّ أنَّ المَوقِفَ الذي يَقِفُه الإنسانُ من الغَيبِ ساعَةَ يَقَعُ الجَزاءُ يُصبِحُ جُزءاً من شَكلِ الجَزاء، ومَن نَظَرَ قَبلَ أَن يَأمَنَ أُوقِفَ نَظَرُه في وَضعِ النَّظَر.

فالكَلِمَةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الإيمان» هُنا إعطاءُ أَمانٍ مُقَدَّمٍ عَلى الرُّؤيَة، وليسَ تَصديقاً ذِهنيّاً يُطلَبُ بَعدَ مُعايَنَةٍ حِسّيَّة، وشَرطُ الرُّؤيَةِ الجَهريَّةِ قَلبٌ لِبِنيَةِ الخَبَرِ والغَيبِ مَعاً، ولا يَنحَصِرُ في كَونِه طَلَباً فائِضاً في الأَدَب. فَكانَتِ الصّاعِقَةُ أَثَراً بُنيَويّاً لِهذا القَلب، إذ حَيثُما وُضِعَ الطَّلَبُ في غَيرِ بابِه جاءَ الرَّدُّ من جِنسِ البابِ، لا من جِنسِ الطّالِب.


حَصيلة

يَطلُبُ القَومُ يَقيناً بَصَرِياً تامّاً شَرطاً لِبَذلِ الأَمان: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. وفي هذا قَلبٌ لِبِنيَةِ الثِّقَة، ومَدارُ (أ-م-ن) على بَذلِ الأَمانِ لِما وَصَلَ، ولَيسَ تَصديقاً يَنتَظِرُ إثباتاً تَجرِيبِياً. و«جَهرَة» من (ج-ه-ر)، ومَعناها الظُّهورُ الكامِلُ المَكشوفُ لِلعَين، وهو مَطلوبٌ مُستَحيلٌ في حَقِّ الغَيب. فَجاءَت «الصّاعِقَة» من (ص-ع-ق)، وهي ضَربَةٌ تُسقِطُ الحِسَّ فَجأَةً، وَهُم يَنظُرون، أي أُوقِفَ البَصرُ بالضَّبطِ في اللَّحظَةِ التي طالَبوا بِها أن يُشتَرَطَ. والتَّعقيبُ بِـ«وَأَنتُم تَنظُرون» يَنقُلُ الشَّهادَةَ، فقد رَأَوا ما يَفعَلُه المَطلوبُ المُستَحيلُ بِجُسومِهم. ومَن جَعَلَ الرُّؤيَةَ شَرطاً سابِقاً لِلأَمانِ يُحَوِّلُ الثِّقَةَ إلى مُعامَلَة، والصّاعِقَةُ تُحَوِّلُ المُعامَلَةَ إلى دَرسٍ في بِنيَةِ الغَيب.