البقرة · الآية 98

﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ

تَدَرُّجُ القائمة: «لِلَّهِ، ومَلائكَتِه، ورُسُلِه، وجِبريلَ، وميكالَ»

وليسَتِ القائِمةُ تَعداداً حَشوِيّاً: اللَّهُ هو المَصدَر، والمَلائِكةُ والرُّسُلُ طَبَقَتا وَساطة، وجِبريلُ وميكالُ تَخصيصٌ لِاسمَينِ بَعدَ العُموم، وقد سَمَّتِ الآيةُ السّابِقةُ جِبريلَ مَوضِعَ العَداوة. والتَّدَرُّجُ يَتَحَرَّكُ من الأصلِ (المَصدَر) إلى العامِّ (طَبَقة) إلى الخاصّ (اسم)، فيَقطَعُ الطَّريقَ على مَن يَقبَلُ «اللَّه» ويَنتَقي قَناةً لِيَرفُضَها، أو يَقبَلُ «الرُّسُل» ويَستَثني جِبريل. والقائِمةُ نِظامٌ مُتَّصِل، فمَن عادى طَرَفاً فقد عادى الشَّبَكةَ كُلَّها.

(ع د و) بِصيغَةٍ مَصدَريّة: العَداءُ حَدٌّ لا مَشاعِر

و«عَدُوّاً» في هذه الآيةِ اسمٌ ثابِت، لا فِعلٌ عابِر، وهو من (ع د و)، ومَعناه المُجاوِزُ الذي يَتَوَقَّفُ عِندَ الحَدِّ مُعانِداً. والعَداءُ في الآيةِ مَوقِفُ مُواجَهةٍ تَستَقِرُّ بِه النَّفسُ على طَرَفِ الخِطاب، وليسَ عاطِفةَ كَراهِية، ولِذلك جاءَ الجَزاءُ بِالبُنيةِ نَفسِها: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾، فهو حَدٌّ بِحَدّ، والمَوقِفُ الذي يَقِفُه صاحِبُه يُقابَلُ بِمَوقِفٍ مُماثِلٍ في البُنية.

(ك ف ر)+الرَّدُّ إلى المَصدَر: الكُفرُ ستارَةُ تَغطية

وخِتامُ الآية: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾، وأصلُ الكُفرِ (ك ف ر) التَّغطِية، ولا يَنحَصِرُ في الإنكار. ومَن يَنتَقي قَناةً لِيُعادِيَها مَعَ إعلانِه الوَلاءَ لِلمَصدَر يَستَخدِمُ العَداءَ لِتَغطِيةِ ما يَعلَمُه في دَخيلَتِه. فالقُرآنُ يَكشِفُ الغِطاء: مُشكِلةُ هذا المُعادي مَعَ ما يَحمِلُه جِبريلُ على قَلبِ مَن نُزِّلَ عَلَيه، وليسَت مَعَ جِبريلَ نَفسِه، والذي يَحمِلُه هو من عِندِ اللَّه.

فالشَّبَكَةُ لا تَنقَسِمُ بِالانتِقاء، والعَداءُ المُنتَقى كَشفٌ لِلكُفرِ الحَقيقيّ: تَغطيةُ اعتِراضِ المَصدَرِ بِمَنظَرِ اعتِراضِ القَناة.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِقائِمةٍ مُتَدَرِّجةٍ من المَصدَرِ إلى الطَّبَقةِ إلى الاسمِ المُفرَد، وهذا التَّدَرُّجُ هو الحُجّةُ ذاتُها، وليسَ تَعداداً وَصفِيّاً: مَن قَبِلَ المَصدَرَ وعادى قَناةً من قَنَواتِه خاصَمَ النِّظامَ كُلَّه، لأنَّ (ر-س-ل) يَعني الوُصولَ المُتَّصِلَ إلى مَقصَد، والقَناةُ لا تَستَقِلُّ عَمّا تَصِلُه. والجَذرُ (ع-د-و) في صيغَتِه الاسمِيّةِ الثّابِتةِ يَرسُمُ مَوقِفاً مُستَقِرّاً لا مَشاعِرَ عابِرة، ونَمَطُ الإجابةِ يَعكِسُ نَمَطَ الفِعل: «فإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلكافِرين» حَدٌّ مُقابِلَ حَدّ. ويَأتي ذِكرُ «جِبريل وميكال» مَعاً بَعدَ عُمومِ المَلائِكةِ لِيَكسِرَ التَّصنيفَ الذي يَجعَلُ مَلاكاً حَليفاً وآخَرَ خَصماً، فالاثنانِ في شَبَكةٍ واحِدة، وتَفكيكُها اختِيارٌ لا تَقِيّة. وتَختِمُ الآيةُ بِالجَذرِ (ك-ف-ر) الذي أصلُه «تَغطِية»، والعَداءُ المُنتَقى لِلقَناةِ حيلةُ تَغطِيةٍ يَعرِفُها صاحِبُها قَبلَ أن يُسَمِّيَها، ورَدُّ الكِتابِ بِذَريعةِ الحامِلِ طَبَقةٌ مُضافةٌ على طَبَقةِ الكَتمِ السّابِقة.