آل عمران · الآية 109

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

«وَلِلَّهِ مَا»: ما في السَّماواتِ يَنتَسِبُ إلى الله

تَعطِفُ الواوُ هذا الحُكمَ على نَفيِ إرادةِ الظُّلمِ للعالَمين، فتُقيمُ له مَجالاً شاملاً، ويُقَدَّمُ «لله» على الاسمِ الموصولِ «ما»، فيَبرُزُ الانتِسابُ قبلَ تعدادِ ما يَدخُلُ فيه. واللّامُ تَصِلُ المِلكَ والاستِحقاقَ بالله، و«ما» تَفتَحُ العمومَ لغيرِ العاقلِ ولِما لا يُعَدُّ فرداً فرداً. والنَّظمُ يَبدأُ بالله ويَجعَلُ كلَّ المذكورِ التالي داخِلاً في الانتِسابِ إليه، ولا يَبدأُ بالأشياءِ ثمّ يَبحثُ عن مالكِها.

«فِي السَّمَاوَاتِ»: الجَمعُ يَفتَحُ الحَيِّزَ العُلويَّ كُلَّه

وتأتي صِلةُ «ما» جارّاً ومجروراً فتَضَعُ العمومَ في السَّماوات. والسَّماءُ من س-م-و حَصرٌ يَجري في امتِدادٍ مُتَّصِلٍ ثمّ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ ويَرتَبِطُ في عُلُوٍّ مَمدود، والجَمعُ «السماوات» يُكثِّرُ الحَيِّزاتِ العُلويّة، فيَصيرُ العُمومُ عُموماً في كلِّ واحِدٍ منها لا في واحِدٍ يَنوبُ عن البَقيّة. ولذلك يَبقى الإصغاءُ عندَ الشُّمولِ الذي تُؤدّيه «ما في»، فكلُّ ما حَلَّ في تلك الحَيِّزاتِ داخِلٌ في اللّامِ المُقَدَّمة، وهذا مَبلَغُ ما قالَته الآيةُ في السَّماوات.

«وَمَا فِي الْأَرْضِ»: الأرضُ تَدخُلُ في الشُّمول

وتُعيدُ الواوُ «ما في» كاملةً، فتُقيمُ للأرضِ جُملةَ شُمولٍ مُوازية، ولا تَجعَلُها تابعاً خَفيفاً للسَّماوات. والأرضُ من أ-ر-ض قَطعٌ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ ثقيل، فتَرسُمُ حَيِّزاً مَمسوكاً ذا وَقع، والتَّعريفُ يَجعَلُ الأرضَ المعلومةَ في الخِطابِ حَيِّزاً لكلِّ «ما» فيها. وبينَ الجُملتَينِ يَمتَدُّ الانتِسابُ من السَّماواتِ إلى الأرضِ بلا ثُغرةٍ يَخرُجُ منها شيءٌ مذكور.

«وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ»: الغايةُ مُقَدَّمةٌ والرُّجوعُ شامِل

ثمّ تَنقُلُ الواوُ الكلامَ من المِلكِ الثابتِ إلى حَرَكةِ الرُّجوع، ويُقَدَّمُ «إلى الله» فتَظهَرُ الغايةُ قبلَ الفِعل، ثمّ يأتي «ترجع» مبنيّاً للمجهولِ فتَبرُزُ الأمورُ نائبَ فاعلٍ مؤَخَّراً. والرُّجوعُ من ر-ج-ع جَريانٌ مُستَرسِلٌ يَجتَمِعُ ويتكتَّلُ ثمّ يَظهَرُ من العُمقِ عائداً إلى مَبدئه، والأمورُ من أ-م-ر قَطعٌ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ ثمّ يَجري، والجَمعُ يَشمَلُ الشؤونَ كلَّها. فما انتَسَبَ إلى الله في الحَيِّز يَرجِعُ إليه في المَآل.


حَصيلة

تَبدأُ الآيةُ باللّامِ المقدَّمةِ فتَجعَلُ كلَّ ما في السَّماواتِ وكلَّ ما في الأرضِ لله، وتُعيدُ «ما في» كي يَحمِلَ كلُّ حَيِّزٍ شُمولَه كاملاً، فيَستَوي العُلويُّ والسُّفليُّ في انتِسابٍ واحد. ثمّ تَتحوَّلُ من الانتِسابِ إلى المَسار في «إلى الله تُرجَعُ الأمور»، والغايةُ فيه هي نفسُ الاسمِ الذي افتَتَحَ المِلك، فيَلتَقي الأصلُ والمَآلُ في الله، وتَدخُلُ الأشياءُ والشؤونُ معاً في هذا القَوسِ المُحكَم.