آل عمران · الآية 35

﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

«إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ»: قَولٌ يَربِطُ صاحِبَه بالمُستَقبَل

النَّذرُ من ن-ذ-ر انبِعاثٌ يَنفُذُ بحِدّةٍ ثمَّ يَجري مُتَكَرِّراً، قَولٌ يَخرُجُ من الباطِنِ ويُلزِمُ صاحِبَه بما سَيأتي. واللامُ في «لك» تُفردُ الوِجهةَ لله قبلَ أن يَظهَرَ ما في البَطن.

«مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا»: المَستورُ يُمنَحُ قبلَ ظُهورِه

البَطنُ من ب-ط-ن اتِّصالٌ يَنطَبِقُ عليه سِترٌ عَريضٌ ثمَّ يَنبَعِثُ منه ما كانَ مَخفيّاً. و«ما» لا تُسَمِّي المَستورَ بعد، بل تُسَلِّمُه في غَيبِه. أمّا «محرّراً» فمن ح-ر-ر احتواءٌ حَيٌّ يَجري ثمَّ يُضاعِفُ جَريانَه، وصيغةُ التفعيلِ تَحمِلُ شُحنةَ تَحريرٍ مُستَمِرّةً تَفُكُّ ما يَحبِسُ الموهوبَ لغيرِ وِجهتِه.

«فَتَقَبَّلْ مِنِّي»: النَّذرُ لا يَملِكُ القَبول

الفاءُ تَصِلُ التَّقديمَ بالطَّلَب، والقَبولُ من ق-ب-ل حَسمٌ يَتَّصِلُ ثمَّ يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ نحوَ ما يَستَقبِلُه. على الرَّغمِ من قوَّةِ النَّذر، لا تَدَّعي صاحِبتُه أنَّ ما قَدَّمَته صارَ مقبولاً. وتَختمُ بالسَّميعِ العليم: مَن سَمِعَ القَولَ يَعلَمُ ما في البَطنِ وما في النِّيّة.

«مَا فِي بَطْنِي»: عَطاءٌ يَشمَلُ ما لم يُعرَف

اختيارُ «ما» يَجعَلُ النَّذرَ أوسَعَ من صُورةٍ سَبَقَ أن رَسَمَتها صاحِبتُه للمَولود. إنَّها لا تَهَبُ اسماً أو صِفةً أو جِنساً تَملِكُه، بل تَهَبُ ما يَظهَرُ كما يَظهَر. وفي هذا تَجتَمِعُ قُوَّةُ العَهدِ معَ تَسليمِ المَعلومِ الناقِص: الوِجهةُ مَحسومةٌ «لك»، أمّا صُورةُ الموهوبِ فباقيةٌ في سِترِ البَطنِ وعِلمِ الله.

ويأتي «محرَّراً» قبلَ انكِشافِ المَستور، فكأنَّ التَّحريرَ لا يَنتَظِرُ أن يُوافِقَ الموهوبُ تَوقُّعاً مُسبَقاً. إنَّه وَصفُ الوِجهةِ التي أُريدَت له، لا ثَمنٌ يُفرَضُ على القَبول. ثمَّ يَكشِفُ «فتقبَّل منّي» أنَّ النَّاذرَ يَملِكُ تَقديمَ ما عندَه ولا يَملِكُ أن يَجعَلَه مَقبولاً بذاتِه. أَقصى العَطاءِ يَبقى واقِفاً على بابِ السَّمعِ والعِلم، يَطلُبُ أن يُستَقبَل.

وتَختِمُ المُناجاةُ بفَرقٍ يَحفَظُها من وَهمِ الإحاطة: هي تَقولُ ما نَذَرَت وتَعرِفُ منه وِجهتَه، أمّا السَّميعُ فيَبلُغُ قَولَها والعَليمُ يُحيطُ بما في البَطنِ وما سيَصيرُ إليه. لذلك لا يَكونُ نَقصُ مَعرِفتِها نَقصاً في العَطاء؛ إنَّه المَساحةُ التي يَصدُقُ فيها التَّسليمُ ويَبقى القَبولُ طَلَباً.


حَصيلة

يَسبِقُ النَّذرُ ظُهورَ المَولود: يُعطى «ما» لا اسماً مَعلوماً، ويُوصَفُ بالتَّحريرِ قبلَ أن يَخرُج. لكنَّ العَطاءَ لا يَستَغني عن القَبول، لذلك يَنتهي القَولُ طَلَباً لا امتِلاكاً. الوِجهةُ تُقدَّمُ، والمَستورُ يُوهَبُ، والقَبولُ يَبقى عندَ مَن يَسمَعُ القَولَ ويَعلَمُ الباطِن.