آل عمران · الآية 65

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

«يَا أَهْلَ الْكِتَابِ»: النِّداءُ يَعودُ بالصِّفةِ نَفسِها

يَعودُ النِّداءُ الذي افتَتَحَ الدَّعوةَ إلى الكَلِمةِ السَّواء: «يا أهل الكتاب»، فتُبقي الآيةُ المُخاطَبينَ في صِلتِهم بالكِتاب، ولا تَستبدِلُ بهذه الصِّلةِ اسماً عِرقيّاً أو حُكماً على أصلٍ ونَسَب. وعُدِلَ بالنِّداءِ هذه المرّةَ عن «تعالوا» إلى سؤالٍ يُواجِهُ طَريقةَ المُحاجّة، فالصِّفةُ التي يُنادَونَ بها تُهَيِّئُ المِعيارَ الذي سيأتي من داخلِها: كِتابانِ مَسمّيان، وزَمنُ إنزالِهما بالنِّسبةِ إلى إبراهيم. وبهذا يَحمِلُ النِّداءُ المُخاطَبَ إلى مَيدانِ ما يَعرِفُه بوَصفِه أهلَ كتاب.

«لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ»: السُّؤالُ يَطلُبُ مَسوِّغَ المُحاجّة

و«لِمَ» سؤالٌ عن العِلّةِ التي تَحمِلُ المُخاطَبينَ على الفِعل، لا عن مَوضوعِ الخِلاف، فقد سَمَّته الجُملةُ: «في إبراهيم». والمُحاجّةُ من ح-ج-ج، وأصلُه احتِواءٌ يَضيقُ ثمّ يَبرُزُ في حُجّة، وتَكرارُ الجيمِ يُضاعِفُ جَمعَها ومُقابَلتَها بحُجّةٍ أُخرى، وصيغةُ المُفاعَلةِ تَجعَلُها حَرَكةً بينَ طَرَفَين، والفِعلُ المُضارعُ يَعرِضُها مُستَمِرّةً في المَشهَد. وأمّا إبراهيمُ فاسمٌ صَريحٌ في الآية، غَيرَ أنّها لا تَمنَحُ أيَّ طَرَفٍ حقَّ إلحاقِه به قبلَ اختِبارِ الحُجّةِ بالزَّمنِ المذكور.

«وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ»: التَّرتيبُ يَفحَصُ الدَّعوى

والواوُ تَصِلُ السُّؤالَ بمِعيارِه، فيبدأُ التَّركيبُ بالنَّفيِ «ما»، ثمّ يَذكُرُ التَّوراةَ والإنجيلَ معطوفَينِ في حُكمٍ واحِد. والإنزالُ من ن-ز-ل، ومادّتُه احتِواءٌ باطِنٌ يَكتَنِزُ فيه المَعنى ثمّ يَنفُذُ إلى الخارِج، ويَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بمَحلِّه. وصيغةُ الإفعالِ تُظهِرُ فاعِلاً يُوقِعُ الإنزالَ على الكِتابَين، وإن لم يُعَدِ الاسمُ في هذه الجُملة. ثمّ يَأتي «إلا من بعده» فيَحصرُ مَوقعَ الإنزالِ بعدَ إبراهيم، ولا تُعطي الآيةُ أرقاماً أو مُدَداً، ويَكفيها ترتيبٌ يَجعَلُ اللاحقَ لاحقاً.

«أَفَلَا تَعْقِلُونَ»: الخاتِمةُ تَطلُبُ عَقدَ التَّرتيبِ بنَتيجتِه

وتَجتَمِعُ الهمزةُ والفاءُ و«لا» في خاتِمةٍ تَدفَعُ السّامعَ إلى مُراجَعةِ مَوقفِه. والعَقلُ من ع-ق-ل، ومَعناه ظُهورٌ من العُمقِ يَنعَقِدُ في التِئامٍ يَمنَعُ التَّفلُّت، ثمّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بما عَقَلَه. فالعَقلُ هنا فِعلُ رَبطٍ بينَ مُقَدِّمتَين: إبراهيمُ سابِق، والكِتابانِ أُنزِلا بعدَه، وليس زينةً تُمدَحُ وحدَها. والفاءُ تَطلُبُ أن يَخرُجَ من هذا الرَّبطِ أَثَرٌ في المُحاجّة، وصيغةُ الجَمعِ تَرُدُّ السؤالَ إلى المُخاطَبينَ جميعاً، من غيرِ أن تُعيِّنَ النَّصيبَ الفرديَّ لكلِّ واحِد.


حَصيلة

تَستَخرِجُ الآيةُ المِعيارَ من ألفاظِ الخِطابِ نَفسِها، ولا تَرُدُّ على المُحاجّةِ باسمِ جَماعةٍ مُقابِلة: أهلُ الكتابِ يُسألونَ عن مُحاجّتِهم في إبراهيم، ثمّ يُوضَعُ أمامَهم ترتيبٌ بسيطٌ حاسِم، وهو أنّ التَّوراةَ والإنجيلَ أُنزِلا من بَعدِه. وتأتي خاتِمةُ العَقلِ لتَطلُبَ عَقدَ هذا التَّرتيبِ بنتيجتِه، لا لإضافةِ خَبَرٍ جديد. فمَحَلُّ النَّظَرِ في الآيةِ أن تَتماسَكَ الحُجّةُ أو لا تَتماسَكَ حينَ تُقاسُ بزَمنِ الأسماءِ التي استَندَت إليها، وليس مَوضوعُها مَن يَملِكُ إبراهيم.